تفسير سورة الحج من الآية واحد وسبعين إلى ثمانٍ وسبعين
- تفسير سورة الحج من الآية واحد وسبعين إلى ثمانٍ وسبعين
ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير (71) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير (72) يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب (73) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (74) الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير (75) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور (76) يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون (77) وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (78)
ثم أشار إلى جهالة الكفار لعبادتهم غير المستحق لها بقوله:
- {ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم} لم يتمسكوا في عبادتهم لها ببرهان سماوي من جهة الوحي، ولا حملهم عليها دليل عقلي {وما للظالمين من نصير} وما للذين ارتكبوا مثل هذا الظلم من أحد ينصرهم ويصوب مذهبهم.
- {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} يعني القرءان {تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر} الإنكار بالعبوس والكراهة {يكادون يسطون} يبطشون {بالذين يتلون عليهم ءاياتنا} هم النبي ﷺ وأصحابه {قل أفأنبئكم بشر من ذلكم} [بأكره إليكم] من غيظكم على التالين وسطوكم عليهم {النار} كأن قائلا قال: ما هو؟ فقيل: النار {وعدها الله الذين كفروا} [وأنتم منهم] {وبئس المصير} [وبئس المرجع] النار.
ولما كانت دعواهم بأن لله تعالى شريكا جارية في الغرابة والشهرة مجرى الأمثال الـمسيرة، قال الله تعالى:
- {يا أيها الناس ضرب} بين {مثل فاستمعوا له} لضرب هذا المثل {إن الذين تدعون} [أيها المشركون] {من دون الله} [أي الأصنام التي تعبدونها] {لن يخلقوا ذبابا} لن لتأكيد نفي المستقبل للدلالة على أن خلق الذباب منهم مستحيل {ولو اجتمعوا له} لخلق الذباب، وهذا من أبلغ ما أنزل في تجهيل قريش حيث وصفوا بالإلهية التي تقتضي الاقتدار على المقدورات كلها والإحاطة بالمعلومات عن ءاخرها صورا وتماثيل يستحيل منها أن تقدر على أقل ما خلقه الله تعالى وأذله ولو اجتمعوا لذلك {وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه} أي هذا الخلق الأقل الأذل لو اختطف منهم شيئا فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه لم يقدروا، عن ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا يطلونها أي الأوثان بالزعفران ورؤوسها بالعسل فإذا سلبه الذباب عجز الأصنام عن أخذه {ضعف الطالب} الصنم بطلب ما سلب منه {والمطلوب} الذباب بما سلب، وهذا كالتسوية بينهم وبين الذباب في الضعف، ولو حققت وجدت الطالب أضعف وأضعف؛ فإن الذباب حيوان وهو جماد، وهو غالب وذلك مغلوب.
- {ما قدروا الله حق قدره} ما عرفوه حق معرفته حيث جعلوا هذا الصنم الضعيف شريكا له {إن الله لقوي عزيز} إن الله قادر وغالب، فكيف يتخذ العاجز المغلوب شبيها به؟! أو لقوي بنصر أوليائه، عزيز ينتقم من أعدائه.
- {الله يصطفي} يختار {من الملائكة رسلا} كجبريل وميكائيل وإسرافيل وغيرهم {ومن الناس} رسلا كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم عليهم السلام، وهذا رد لما أنكروه من أن يكون الرسول من البشر، وبيان أن رسل الله على ضربين: ملك وبشر {إن الله سميع} لقولهم {بصير} بمن يختاره لرسالته.
- {يعلم ما بين أيديهم} ما مضى {وما خلفهم} ما لم يأت، أو أمر الدنيا وأمر الآخرة {وإلى الله ترجع الأمور} إليه مرجع الأمور كلها، والذ هو بهذه الصفات لا يسأل عما يفعل، وليس لأحد أن يعترض عليه في حكمه وتدابيره واختياره رسله.
- {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} في صلاتكم، [وخص الركوع والسجود لأنهما الأصلان في التذلل والخشوع] {واعبدوا ربكم} واقصدوا بركوعكم وسجودكم وجه الله([1]) لا الصنم {وافعلوا الخير} عم بالحث على سائر الخيرات، وقيل: أريد به صلة الأرحام ومكارم الأخلاق {لعلكم تفلحون} كي تفوزوا.
- {وجاهدوا} أمر بالغزو، أو مجاهدة النفس والهوى، أو هو كلمة حق عند أمير جائر {في الله} في ذات الله ومن أجله {حق جهاده} وهو ألا يخاف في الله لومة لائم، [وحق الجهاد: استفراغ الطاقة فيه] {هو اجتباكم} اختاركم لدينه ونصرته {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ضيق، بل رخص لكم في جميع ما كلفكم من الطهارة والصلاة والصوم والحج، بالتيمم، وبالإماء وبالقصر، والإفطار بعذر السفر والمرض، وعدم الراحلة([2]) {ملة أبيكم إبراهيم} اتبعوا ملة أبيكم، وسماه أبا وإن لم يكن أبا للأمة كلها، لأنه أبو رسول الله ﷺ فكان أبا لأمته لأم أمة الرسول في حكم أولاده {هو سماكم المسلمين} أي الله سماكم المسلمين {من قبل} في الكتب المتقدمة {وفي هذا} أي في القرءان، فضلكم على سائر الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم {ليكون الرسول شهيدا عليكم} أنه قد بلغكم رسالة ربكم {وتكونوا شهداء على الناس} بتبليغ الرسل رسالات الله إليهم([3])، وإذ خصكم بهذه الكرامة والأثرة([4]) {فأقيموا الصلاة} بواجباتها {وءاتوا الزكاة} بشرائطها {واعتصموا بالله} وثقوا بالله وتوكلوا عليه {هو مولاكم} مالككم وناصركم ومتولي أموركم {فنعم المولى ونعم النصير} أي الناصر هو حيث أعانكم على طاعتكم، وقد أفلح من [الله] مولاه وناصره.
([2]) إذا لم يجد الشخص ما يركبه للحج، وكان يلحقه مشقة شديدة بالمشي، سقط عنه الوجوب.
([3]) أمة محمد ﷺ هم يشهدون للأنبياء بأنهم بلغوا أقوامهم، عندما يسأل الأنبياء: هل بلغتم؟ يشهدون مع أنهم لم يكونوا في تلك العصور، بناء على أنهم سمعوا في القرءان أنهم بلغوا.
- تفسير سورة الحج من الآية واحد وسبعين إلى ثمانٍ وسبعين
