تفسير سورة الحج من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
- تفسير سورة الحج من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (31) ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (32) لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (33) ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (35) والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون (36) لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين (37) إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور (38) أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (40) - {حنفاء لله} مسلمين {غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر} سقط {من السماء} إلى الأرض [لأنه سقط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر] {فتخطفه الطير} تستلبه بسرعة [وتقطع مخه بمخالبها ومناقيرها ولا يملك دفع ذلك عن نفسه] {أو تهوى به الريح} تسقطه {في مكان سحيق} بعيد.
- {ذلك} أي الأمر ذلك {ومن يعظم شعـائر الله} تعظيم الشعائر – وهي الهدايا، لأنها من معالم الحج -: أن يختارها عظام الأجرام حسانا سمانا غالية الأثمان {فإنها من تقوى القلوب} من أفعال ذوي تقوى القلوب.
- {لكم فيها منـافع} من الركوب عند الحاجة وشرب ألبانها عند الضرورة {إلى أجل مسمى} إلى أن تنحر([1]) {ثم محلها} وقت وجوب نحرها منتهية {إلى البيت العتيق} المراد نحرها في الحرم الذي هو في حكم البيت إذ الحرم حريم البيت([2]).
- {ولكل أمة} جماعة مؤمنة قبلكم {جعلنا منسكا} [شرعنا قرابين ليقربوها، و] {جعلنا منسكا} [شرعنا قرابين ليقربوها، و] {ليذكروا اسم الله} دون غيره {على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} عند نحرها وذبحها {فإلهكم إله واحد} أي اذكروا على الذبح اسم الله وحده {فله أسلموا} أخلصوا له الذكر خاصة، واجعلوه له سالما لا تشوبوه بإشراك {وبشر المخبتين} المطمئنين بذكر الله.
- {الذين إذا ذكر الله وجلت} خافت {قلوبهم} منه هيبة {والصابرين على ما أصابهم} من الـمحن والمصائب {والمقيمي الصلاة} في أوقاتها {ومما رزقناهم ينفقون} يتصدقون.
- {والبدن} جمع بدنة، وفي الشريعة يتناول الإبل والبقر {جعلناها لكم من شعائر الله} من أعلام الشريعة التي شرعها الله، وإضافتها إلى اسمه تعالى تعظيم لها {لكم فيها خير} النفع في الدنيا والأجر في العقبى {فاذكروا اسم الله عليها} عند نحرها {صواف} قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن {فإذا وجبت جنوبها} أي إذا سقطت جنوبها على الأرض بعد نحرها وسكنت حركتها {فكلوا منها} إن شئتم {وأطعموا القانع} السائل {والمعتر} الذي يريك نفسه ويتعرض ولا يسأل {كذلك سخرناها لكم} كما أمرناكم بنحرها ذللناها لكم مع قوتها وعظم أجرامها {لعلكم تشكرون} لكي تشكروا إنعام الله عليكم.
- {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} لن يرضي الـمضحون والـمقربون ربهم إلا بمراعاة النية والإخلاص ورعاية شروط التقوى {كذلك سخرها لكم} أي البدن {لتكبروا الله} لتسموا الله عند الذبح، أو لتعظموا الله {على ما هداكم} على ما أرشدكم إليه {وبشر المحسنين} الممتثلين أوامره بالثواب.
- {إن الله يدافع عن الذين ءامنوا}يدفع غائلة المشركين([3]) عن المؤمنين، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله لا يحب كل خوان كفور} أي لأنه لا يحب الذين يخونون الله والرسول ويخونون أماناتهم ويكفرون نعم الله ويغمطونها([4]).
- {أذن للذين يقاتلون} أذن لهم في القتال لدلالة {يقاتلون} عليه {بأنهم ظلموا} بسبب كونهم مظلومين، وهم أصحاب رسول الله ﷺ، كان مشركو مكة يؤذونهم أذى شديدا، وكانوا يأتون رسول الله ﷺ من بين مضروب ومشجوج يتظلمون([5]) إليه، فيقول لهم: «اصبروا فإني لم أومر بالقتال»، حتى هاجر فأنزلت هذه الآية، وهي أول ءاية أذن فيها بالقتال بعد ما نهي عنه في نيف وسبعين ءاية {وإن الله على نصرهم} على نصر المؤمنين {لقدير} قادر، وهو بشارة للمؤمنين بالنصرة.
{الذين أخرجوا من ديارهم} بمكة {بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله} أي بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب التمكين لا الإخراج {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد} أي لولا إظهاره وتسليطه المسلمين على الكافرين بالمجاهدة لاستولى المشركون على أهل الـملل المختلفة في أزمنتهم وعلى متعبداتهم فهدموها ولم يتركوا للنصارى بيعا، [جمع بيعة، وهي الأماكن التي كان يتعبد فيها النصارى قبل أن يكفروا]، ولا لرهبانهم صوامع [جمع صومعة، تبنى على التلال للتفرغ للتعبد فيها كخلوات الصوفية] ولا لليهود صلوات [مفردها صلوتا – وهي لغة عبرية- وهي الأماكن التي كانت اليهود تتعبد فيها قبل أن يكفروا بتكذيبهم المسيح فإنهم كانوا قبل ذلك مسلمين على شريعة التوراة الأصلية قبل التحريف] ولا للمسلمين مساجد [والمساجد المراد بها هنا مساجد أمة محمد ﷺ]، {يذكر فيها اسم الله كثيرا} في جميع ما تقدم [لأنها كمساجد أمة محمد ﷺ حيث إن الكل بني لتوحيد الله وتمجيده لا لعبادة غير الله فقد سمى الله تعالى المسجد الأقصى مسجدا وهو ليس من بناء أمة محمد بل بناه سيدنا ءادم عليه السلام ثم جدد بناؤه عدة مرات] {ولينصرن الله من ينصره} أي ينصر دينه وأولياءه {إن الله لقوي} على نصر أوليائه {عزيز} على انتقام أعدائه.
([1]) هذا في الهدايا يركبها إن احتاج وإلا يسوقها سوقا.
([2]) الحرم: الكعبة وما حولها إلى الحد الذي أقام عليه سيدنا إبراهيم عليه السلام الأعلام، من جهة جدة نحو عشرين كيلو مترا، ومن الجهة الأخرى أقل، في كل هذا يحل الهدي، ليس شرطا أن يكون ضمن مكة.
- تفسير سورة الحج من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
