تفسير سورة الأنبياء من الآية واحد وستين إلى سبعين
- تفسير سورة الأنبياء من الآية واحد وستين إلى سبعين
قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (61) قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62) قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون (63) فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (64) ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65) قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (67) قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (68) قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69) وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (70) - {قالوا} أي نمرود وأشراف قومه: {فأتوا به} أحضروا إبراهيم {على أعين الناس} معاينا مشاهدا {لعلهم يشهدون} عليه بما سمع منه، أو بما فعله، أو يحضرون عقوبتنا له، فلما أحضروه:
- 63- {قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62) قال(63)} إبراهيم: {بل فعله كبيرهم هذا} نسب الفعل إلى كبيرهم، وقصده تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي تبكيتا لهم وإلزاما للحجة عليهم، لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح علموا عجز كبيرهم وأنه لا يصلح إلـٰـها، ويمكن أن يقال: غاظته تلك الأصنام وكان غيظ كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له فأسند الفعل إليه لأن الفعل كما يسند إلى مباشره يسند إلى الحامل عليه، أو هو متعلق بشرط لا يكون وهو نطق الأصنام فيكون نفيا للمخبر عنه، أي بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون، [ومقتضاه: إن لم ينطقوا فليس هو بفاعل ذلك] {فاسألوهم} عن حالهم {إن كانوا ينطقون} وأنتم تعلمون عجزهم عنه.
- {فرجعوا إلى أنفسهم} فرجعوا إلى عقولهم وتفكروا بقلوبهم لما أخذ بمخانقهم([1]) {فقالوا إنكم أنتم الظالمون} على الحقيقة بعبادة ما لا ينطق لا من ظلمتموه حين قلتم: {من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين} [الأنبياء: 59] فإن من لا يدفع عن راسه الفأس، كيف يدفع عن عابده البأس([2])؟
- {ثم نكسوا على رءوسهم} أجرى الله تعالى الحق على لسانهم في القول الأول ثم أدركتهم الشقاوة، أي ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم فأخذوا في المجادلة بالباطل والمكابرة وقالوا: {لقد علمت ما هؤلاء ينطقون} لقد علمت عجزهم عن النطق فكيف نسألهم؟
- {قال} محتجا عليهم: {أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا} أي نفعا {ولا يضركم} إن لم تعبدوه.
- {أف لكم ولما تعبدون من دون الله} أف: صوت إذا صوت به علم أن صاحبه متضجر، أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم ووضوح الحق، فتأفف بهم {أفلا تعقلون} أن من هذا وصفه لا يجوز أن يكون إلـٰـها، فلما لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب:
- {قالوا حرقوه} بالنار، لأنها أهول ما يعاقب به وأفظع {وانصروا ءالهتكم} بالانتقام منه {إن كنتم فاعلين} إن كنتم ناصرين ءالتهكم نصرا مؤزرا([3])، فاختاروا له أهول المعاقبات، وهو الإحراق بالنار، والذي أشار بإحراقه نمرود.
روي أنهم حين هموا بإحراقه حبسوه، وجمعوا شهرا أصناف الخشب، ثم أشعلوا نارا عظيمة كادت الطير تحترق في الجو من وهجها، ثم وضعوه في الـمنجنيق مقيدا مغلولا، فرموا به فيها وهو يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، وما أحرقت النار إلا وثاقه.
- {قلنا يا نار كوني بردا وسلاما} [أي حكم الله بأن تكون بردا وسلاما]، أي ذات برد وسلام، فبولغ في ذلك كأن ذاتها برد وسلام {على إبراهيم} أراد: ابردي فيسلم منك إبراهيم، والمعنى أن الله تعالى نزع عنها طبعها الذي طبعها عليه من الحر والإحراق، وأبقاها على الإضاءة والإشراق كما كانت، وهو على كل شيء قدير.
