تفسير سورة الأنبياء من الآية مئة وواحد إلى مئة وعشرة
- تفسير سورة الأنبياء من الآية مئة وواحد إلى مئة وعشرة
إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102) لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (103) يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين (104) ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (105) إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107) قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (108) فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون (109) إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) - {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} التوفيق للطاعة، فنزلت جوابا لقول ابن الزبعرى([1]) عند تلاوته عليه الصلاة والسلام على صناديد قريش {إنكم وما تعبدون من دون الله} إلى قوله: {خالدون} [الأنبياء: 98]: أليس اليهود عبدوا غزيرا والنصارى المسيح، وبنو مليح([2]) الملائكة، على أن قوله: {وما تعبدون} لا يتناولهم لأن «ما» لمن لا يعقل غلا أنهم أهل عناد([3]) {أولئك} يعني عزيرا والمسيح والملائكة {عنها} عن جهنم {مبعدون} لأنهم لم يرضوا بعبادتهم.
- {لا يسمعون حسيسها} صوتها الذي يحس وحركة تلهبها، وهذه مبالغة في الإبعاد عنها أي لا يقربونها حتى لا يسمعوا صوتها وصوت من فيها([4]) {وهم في ما اشتهت أنفسهم} من النعيم {خالدون} مقيمون.
- {لا يحزنهم الفزع الأكبر} النفخة الأخيرة {وتتلقاهم الملائكة} تستقبلهم الملائكة مهنئين على أبواب الجنة يقولون: {هذا يومكم الذي كنتم توعدون} هذا وقت ثوابكم الذي وعدكم ربكم في الدنيا.
- {يوم نطوي السماء} طيها: تكوير نجومها([5]) ومحو رسومها، أو هو ضد النشر [أي] نجمعها ونطويها {كطي السجل} أي الصحيفة {للكتب} للمكتوبات {كما بدأنا أول خلق نعيده} أي كما أوجده أولا يعيده ثانيا تشبيها للإعادة بالإبداء في تناول القدرة لهما على السواء {وعدا علينا} كائنا لا محالة {إنا كنا فاعلين} ذلك، أي محققين هذا الوعد، فاستعدوا له وقدموا صالح الأعمال للخلاص من هذه الأهوال.
- {ولقد كتبنا في الزبور} كتاب داود عليه السلام {من بعد الذكر} التوراة {أن الأرض} الشام {يرثها عبادي الصالحون} أي أمة محمد عليه الصلاة والسلام.
- {إن في هذا} القرءان {لبلاغا} لكفاية، وأصله ما تبلغ به البغية {لقوم عابدين} موحدين، وهم أمة محمد عليه السلام.
- {وما أرسلناك إلا رحمة} قال عليه السلام: «إنما أنا رحمة مهداة» {للعالمين} لأنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه، ومن لم يتبع فإنما أتي من نفسه حيث ضيع نصيبه منها. وقيل: هو رحمة للمؤمن في الدارين، وللكافر في الدنيا بتأخير عذاب الاستئصال([6]) والمسخ والخسف([7]).
- {قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} يوحى إلي وحدانية إلهي {فهل أنتم مسلمون} استفهام بمعنى الأمر أي أسلموا.
- {فإن تولوا} عن الإسلام {فقل ءاذنتكم} أعلمتكم ما أمرت به {على سواء} مستوين في الإعلام به، ولم أخصص بعضكم {وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون} أي لا أدري متى يكون يوم القيامة، لأن الله تعالى لم يطلعني عليه، ولكني أعلم بأنه كائن لا محالة، أو لا أدري متى يحل بكم العذاب عن لم تؤمنوا.
{إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون} أي إنه عالم بكل شيء، يعلم ما تجاهرونني به من الطعن في الإسلام، وما تكتمونه في صدوركم من الأحقاد للمسلمين، وهو مجازيكم عليه.
([1]) ابن الزبعرى: هو عبد الله بن الزبعرى بن قيس السهمي القرشي، أبو سعد شاعر قريش، كان شديدا على المسلمين إلى أن فتحت مكة، فهرب إلى نجران فقال فيه حسان أبياتا فلما بلغته عاد إلى مكة فأسلم واعتذر ومدح النبي ﷺ مات عام 15هـ.
([3]) «ما» لغير ذوي العلم، وهؤلاء عيسى وعزير والملائكة من ذوي العلم، كيف أدخلهم ابن الزبعرى، القرءان لم يقل: إنكم ومن تعبدون، بل قال «وما» وما لغير العاقل، للبهائم والحجر والشجر ونحو ذلك، يوجد حديث ضعيف أن الرسول ﷺ قال له: «ما أجهلك بلغة قومك».
([4]) هذه الآية دليل على أن المراد بالآية {وإن منكم إلا واردها} [مريم: 71] ليس الدخول.
([6]) لا يصيبهم عذاب الاستئصال في الدنيا كعذاب قوم نوح وعاد.
([7]) يحصل خسف ومسخ لكن ليس كعذاب أولئك وكذلك القذف، لكن ليس بشكل واسع كما كان يحصل للماضين.
