تفسير سورة طه من الآية مئة وأحد عشر إلى مئة وعشرين
- تفسير سورة طه من الآية مئة وأحد عشر إلى مئة وعشرين
وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما (111) ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (112) وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا (113) فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما (114) ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (115) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى (119) فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (120) - {وعنت} خضعت وذلت {الوجوه} أي أصحابها {للحي} الذي لا يموت {القيوم} الدائم القائم على كل نفس بما كسبت {وقد خاب} يئس من رحمة الله {من حمل ظلما} من حمل إلى موقف القيامة شركا.
- {ومن يعمل من الصالحات} الطاعات {وهو مؤمن} مصدق بما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام، وفيه دليل أنه يستحق اسم الإيمان بدون الأعمال الصالحة، وأن الإيمان شرط قبولها {فلا يخاف} فهو لا يخاف {ظلما} أن يزاد في سيئاته {ولا هضما} ولا ينقص من حسناته.
- {وكذلك} ومثل ذلك الإنزال {أنزلناه قرءانا عربيا} بلسان العرب {وصرفنا} كررنا {فيه من الوعيد لعلهم يتقون} يجتنبون الشرك {أو يحدث لهم} الوعيد، أو القران {ذكرا} عظة.
- {فتعالى الله} ارتفع عن فنون الظنون وأوهام الأفهام وتنزه عن مضاهاة الأنام ومشابهة الأجسام {الملك} الذي يحتاج إليه الملوك {الحق} [الذي وجوده ثابت لا شك فيه]، ولما ذكر القرءان وإنزاله قال استطرادا: {ولا تعجل بالقرءان} بقراءته {من قبل أن يقضى إليك وحيه} قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ {وقل رب زدني علما} بالقرءان ومعانيه، وما أمر الله رسوله بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.
- {ولقد عهدنا إلى ءادم} أمرنا أباهم ءادم ألا يقرب الشجرة {من قبل} من قبل وجودهم، فخالف إلى ما نهي عنه، كما أنهم يخالفون {فنسي} [فترك] العهد أي [العمل بالنهي] {ولم نجد له عزما} [ثباتا على العهد].
- {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس} [الاستثناء منقطع لأنه لم يكن من الملائكة بل كان من الجن بنص القرءان في سورة الكهف {إلا إبليس كان من الجن} ولأن] الملائكة [خلقوا من نور و] لا يتناسلون، وإبليس من نار السموم [وله ذرية قال تعالى في سورة الكهف: {ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني} ولأنه أبى واستكبر، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم]، وإنما صح استثناؤه منهم لأنه كان يصحبهم ويعبد الله معهم {أبى} أظهر الإباء وتوقف.
- {فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك} حيث لم يسجد لك ولم ير فضلك {فلا يخرجنكما من الجنة} فلا يكونن سببا لإخراجكما {فتشقى} فتتعب في طلب القوت.
- {إن لك ألا تجوع فيها} في الجنة {ولا تعرى} عن الملابس لأنها معدة أبدا فيها.
- {وأنك لا تظمأ فيها} لا تعطش لوجود الأشربة فيها {ولا تضحى} لا يصيبك حر الشمس إذ ليس فيها شمس فأهلها في ظل ممدود.
{فوسوس إليه الشيطان} [أورد عليه وعلى حواء من خارج من غير دخول فيها الخواطر الـمزينة لهما الأكل من الشجرة، وليس من شرط الوسوسة الدخول في الجسم، ولا يدخل الشيطان في صدور الأنبياء ولا في أجسامهم، بل وسوس لهما مخاطبا لهما ماثلا أمامهما متشكلا بغير خلقته الأصلية] {قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد} أضاف الشجرة إلى الخلود، لأن من أكل منها خلد بزعمه ولا يموت {وملك لا يبلى} لا يفنى.
- تفسير سورة طه من الآية مئة وأحد عشر إلى مئة وعشرين
