تفسير سورة مريم من الآية واحد وستين إلى سبعين
- تفسير سورة مريم من الآية واحد وستين إلى سبعين
جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61) لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62) تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا (63) وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (64) رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا (65) ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا (66) أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا (67) فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (68) ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا (69) ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا (70) - {جنات} بدل من الجنة لأن الجنة تشتمل على جنات {عدن} العدن: الإقامة {التي وعد الرحمن عباده} التائبين المؤمنين الذي يعملون الصالحات كما سبق ذكرهم {بالغيب} وعدها وهي غائبة عنهم غير حاضرة {إنه كان وعده} موعوده وهو الجنة {مأتيا} أي هم يأتونها.
- {لا يسمعون فيها} في الجنة {لغوا} فحشا أو كذبا، أو ما لا طائل تحته من الكلام وهو المطروح منه {إلا سلاما} لكن يسمعون سلاما من الملائكة، أو من بعضهم على بعض {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} يؤتون بأرزاقهم على مقدار طرفي النهار من الدنيا إذ لا ليل ولا نهار ثم لأنهم في النور أبدا، وإنما يعرفون مقدار النهار برفع الحجب([1]) ومقدار الليل بإرخائها، والرزق بالبكرة والعشي أفضل العيش عند العرب، فوصف الله جنته بذلك.
- {تلك الجنة التي نورث من عبادنا} نجعلها ميراث أعمالهم، يعني ثمرتها وعاقبتها {من كان تقيا} عن الشرك.
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «يا جبريل ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟» فنزل:
- {وما نتنزل إلا بأمر ربك} يعني أن نزولنا في الأحايين وقتا غب وقت ليس إلا بأمر الله {له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا} له ما قدامنا وما خلفنا من الأماكن وما نحن فيها، فلا [نقدر] أن ننتقل من مكان إلى مكان إلا بأمر الـمليك([2]) ومشيئته، وهو الحافظ العالم بكل حركة وسكون وما يحدث من الأحوال، لا تجوز عليه الغفلة والنسيان، فأنى لنا أن نتقلب في ملكوته إلا إذا أذن لنا فيه؟
- {رب السماوات والأرض وما بينهما} هو رب السماوات والأرض، ثم قال لرسوله: لما عرفت أنه متصف بهذه الصفات {فاعبده} فاثبت على عبادته {واصطبر لعبادته} [واصبر على المشاق] لتتمكن من الإتيان بها {هل تعلم له سميا} شبيها ومثلا [تشتغل بعبادته عن عبادة الله؟! إنما هو إلـٰه واحد، وهو استفهام بمعنى النفي والإنكار].
فت أبي بن خلف عظما وقال: أنبعث بعدما صرنا كذا؟! فنزل:
- {ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا} كأنه قال: أحقا إنا سنخرج من القبور أحياء حين يتمكن فينا الموت والهلاك! على وجه الاستنكار والاستبعاد.
- {أولا يذكر الإنسان} أيقول ذلك ولا يتذكر حال النشأة الأولى حتى لا ينكر النشأة الأخرى، فإن تلك أدل على قدرة الخالق حيث أخرج الجواهر والأعراض من العدم إلى الوجود {أنا خلقناه من قبل} من قبل الحالة التي هو فيها، وهي حالة بقائه {ولم يك شيئا} هو دليل على ما بينا، وعلى أن المعدوم ليس بشيء.
- {فوربك لنحشرنهم} أي الكفار المنكرين للبعث {والشياطين} أي يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم، يقرن كل كافر مع شيطان في سلسلة {ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا} جمع جاث أي بارك على الركب، [قيل: لأن أقدامهم لا تحملهم لشدة هول ذلك اليوم وذلك المنظر].
- {ثم لننزعن من كل شيعة} طائفة شاعت أي تبعت غاويا من الغواة {أيهم أشد على الرحمن عتيا} [تمردا وعنادا]، أي لنخرجن من كل طائفة من طوائف الغي أعتاهم فاعتاهم، فإذا اجتمعوا طرحناهم في النار على الترتيب، نقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم.
