تفسير سورة الكهف من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
- تفسير سورة الكهف من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا (41) وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا (42) ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا (43) هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا (44) واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا (45) المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا (46) ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا (47) وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا (48) ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا (49) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا (50) - {أو يصبح ماؤها غورا} غائرا أي ذاهبا في الأرض {فلن تستطيع له طلبا} فلا يتأتى منك طلب÷ فضلا عن الوجود، والمعنى: إن ترن أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله أن يقلب ما بي وما بك من الفقر والغنى فيرزقني لإيماني جنة خيرا من جنتك، ويسلبك لكفرك نعمته ويخرب بسناتك.
- {وأحيط بثمره} هو عبارة عن إهلاكه {فأصبح} الكافر {يقلب كفيه} يضرب إحداهما على الأخرى ندما وتحسرا {على ما أنفق فيها} في عمارتها {وهي خاوية على عروشها} يعني أن كرومها المعرشة سقطت عروشها على الأرض وسقطت فوقها الكروم {ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا} تذكر موعظة أخيه فعلم أنه أتي من جهة كفره وطغيانه، فتمنى لو لم يكن مشركا حتى لا يهلك الله بستانه حين لم ينفعه التمني، ويجوز أن يكون توبة من الشرك وندما على ما كان منه ودخولا في الإيمان.
- {ولم تكن له فئة ينصرونه} يقدرون على نصرته {من دون الله} أي هو وحده القادر على نصرته لا يقدر أحد غيره أن ينصره إلا أنه لم ينصره لحكمة {وما كان منتصرا} وما كان ممتنعا بقوته عن انتقام الله.
- {هنالك الولاية لله الحق} هنالك في ذلك المقام وتلك الحال النصرة لله وحده لا يملكها غيره ولا يستطيعها أحد سواه {هو خير ثوابا وخير عقبا} لأوليائه [في العاجلة والآجلة].
- {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض} فالتف بسببه وتكاثف حتى خالط بعضه بعضا {فأصبح هشيما} يابسا متكسرا {تذروه الرياح} تنسفه وتطيره {وكان الله على كل شيء} من الإنشاء والإفناء {مقتدرا} قادرا، شبه حال الدنيا في نضرتها وبهجتها وما يتعقبها من الهلاك والإفناء بحال النبات يكون أخضر، ثم يهيج فتطيره الرياح كان لم يكن.
- {المال والبنون زينة الحياة الدنيا} [يتزين بها الإنسان ويتجمل في دنياه مدة قصيرة ثم تذهب عما قريب] {والباقيات الصالحات} أعمال الخير التي تبقى ثمرتها للإنسان، أو الصلوات الخمس، أو سبحان الله والحمد لله ولا إلـٰه إلا الله والله أكبر {خير عند ربك ثوابا} جزاء {وخير أملا} لأنه وعد صادق وأكثر الآمال كاذبة.
- {ويوم} واذكر يوم {نسير الجبال} تسير في الجو أو يذهب بها بأن تجعل هباء منثورا منبثا {وترى الأرض بارزة} ليس عليها ما يسترها مما كان عليها من الجبال والأشجار {وحشرناهم} أي الموتى {فلم نغادر منهم أحدا} فلم نترك [أحدا من الأولين والآخرين لم نحضره]، وإنما قال: {وحشرناهم} ماضيا بعد {نسير} و{وترى} للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير وقبل البروز ليعاينوا تلك الأهوال، كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك.
- {وعرضوا على ربك صفا} مصطفين ظاهرين ترى جماعتهم كما يرى كل واحد لا يجب أحد أحدا، شبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان {لقد جئتمونا} قلنا لهم: لقد جئتمونا {كما خلقناكم أول مرة} بعثناكم كما أنشأناكم أول مرة، [ويقال لمنكري البعث]: {بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا} وقتا لإنجاز ما وعدتم على ألسنة الأنبياء من البعث والنشور.
- {ووضع الكتاب} أي صحف الأعمال {فترى المجرمين مشفقين} خائفين {مما فيه} من الذنوب {ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة} أي لا يترك شيئا من المعاصي {إلا أحصاها} حصرها وضبطها {ووجدوا ما عملوا حاضرا} في [كتابهم مكتوبا مثبتا]، أو جزاء ما عملوا {ولا يظلم ربك أحدا} فيكتب عليه ما لم يعمل، [أو يأخذ أحدا بجرم أحد فإنه تعالى وعد بإثابة المطيع والزيادة في ثوابه، وتعذيب العاصي بمقدار جرمه من غير زيادة وأنه قد يغفر له ما سوى الكفر، وذكر أنه لا يخلف الميعاد فلا يتجاوز الحد الذي حده لعباده في الثواب والعقاب ولا يضع شيئا منهما في غير موضعه، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه ولا يتصور من الله تعالى].
{وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} سجود تحية {فسجدوا إلا إبليس كان من الجن} كأن قائلا قال: ما له لم يسجد؟ فقيل: كان من الجن {ففسق عن أمر ربه} خرج عما أمره ربه به من السجود، وهو دليل على أنه كان مأمورا بالسجود الملائكة {أفتتخذونه وذريته} الهمزة للإنكار والتعجيب، كأنه قيل: أعقيب ما وجد منه تتخذونه وذريته {أولياء من دوني} وتستبدلونهم بي {وهم لكم عدو} أعداء {بئس للظالمين بدلا} بئس البدل من الله إبليس لمن استبدله فأطاعه بدل طاعة الله.
- تفسير سورة الكهف من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
