تفسير سورة الإسراء من الآية واحد وستين إلى سبعين
- تفسير سورة الإسراء من الآية واحد وستين إلى سبعين
وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا (61) قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا (62) قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا (63) واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (64) إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا (65) ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما (66) وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا (67) أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا (68) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا (69) ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70) - {وإذ قلنا للملائكة} [واذكر إذ قلنا للملائكة] {اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا} أي [لا أسجد لمن] أصله طين.
- {قال أرأيتك هذا} المعنى أخبرني عن هذا {الذي كرمت علي} أي فضلته، لم كرمته علي و{أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12] فحذف ذلك اختصارا لدلالة ما تقدم عليه، ثم ابتدأ فقال: {الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته} لأستأصلنهم بإغوائهم {إلا قليلا} وهم المخلصون، وإنما علم الملعون ذلك بالإعلام، أو لأنه رأى أنه خلق شهواني.
- {قال اذهب} امض لشأنك الذي اخترته خذلانا وتخليه، ثم عقبه بذكر ما جره سوء اختياره فقال: {فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم} جزاؤه وجزاؤك {جزاء موفورا} [الموفور: المكمل].
- {واستفزز} استخف {من استطعت منهم بصوتك} بالوسوسة {وأجلب عليهم} اجمع وصح بهم من الجلبة وهي الصياح {بخيلك ورجلك} بكل راكب وماش من أهل العيث([1]) {وشاركهم في الأموال والأولاد} كل معصية في مال وولد فإبليس شريكهم فيها كالربا والمكاسب المحرمة، والإنفاق في الفسوق، ومنع الزكاة، والتوصل إلى الأولاد بالسبب الحرام، والتسمية بعبد العزى وعبد شمس {وعدهم} المواعيد الكاذبة من شفاعة الآلهة [التي زعموها] والكرامة على الله بالأنساب الشريفة وإيثار العاجل على الآجل ونحو ذلك {وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} هو تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب.
- {إن عبادي} الصالحين {ليس لك عليهم سلطان} يد بتبديل الإيمان ولكن بتسويل العصيان {وكفى بربك وكيلا} لهم يتوكلون به في الاستعاذة منك، والكل [من هذه الألفاظ الخارجة على صيغة الأمر: {اذهب} – {واستفزز} – {وأجلب} – {وشاركهم} – {وعدهم}] أمر تهديد فيعاقب به، أو إهانة أي لا يخل ذلك بملكي.
- {ربكم الذي يزجي} يجري ويسير {لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله} الربح في التجارة {إنه كان بكم رحيما} [حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه وسهل عليكم ما تعسر من أسبابه].
- {وإذا مسكم الضر في البحر} أي خوف الغرق {ضل من تدعون إلا إياه} ذهب عن أوهامكم كل من تدعونه في حوادثكم إلا إياه وحده([2])، فإنكم لا تذكرون سواه {فلما نجاكم إلى البر أعرضتم} عن الإخلاص بعد الخلاص {وكان الإنسان} الكافر {كفورا} للنعم.
- {أفأمنتم} الهمزة للإنكار، تقديره: أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض {أن يخسف بكم جانب البر} أي يقلبه وأنتم عليه، والحاصل أن الجوانب كلها في قدرته سواء وله في كل جانب برا كان أو بحرا سبب من أسباب الهلاك، ليس جانب البحر وحده مختصا به، بل إن كان الغرق في جانب البحر ففي جانب البر الخسف، وهو تغييب تحت التراب، والغرق تغييب تحت الماء، فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله في جميع الجوانب وحيث كان {أو يرسل عليكم حاصبا} هي الريح التي تحصب، أي ترمي بالحصباء([3])، يعني أو إن لم يصبكم بالهلاك من تحتكم بالخسف أصابكم به من فوقكم بريح يرسلها عليكم فيها الحصباء {ثم لا تجدوا لكم وكيلا} يصرف ذلك عنكم.
- {أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم} أم أمنتم أن يقوي دواعيكم ويوفر حوائجكم إلى أن ترجعوا فتركبوا البحر الذي نجاكم منه، فأعرضتم، فينتقم منكم بأن يرسل عليكم {قاصفا من الريح} وهي الريح التي لها قصيف وهو الصوت الشديد {فيغرقكم بما كفرتم} بكفرانكم النعمة وهو إعراضكم حين نجاكم {ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا} مطالبا يطالبنا بما فعلنا [بكم].
{ولقد كرمنا بني ءادم} بالعقل، والنطق، والصورة الحسنة، والقامة المعتدلة، وتدبير أمر الـمعاش والـمعاد، وتناول الطعام بالأيدي {وحملناهم في البر} على الدواب {والبحر} على السفن {ورزقناهم من الطيبات} باللذيذات {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} [أي جعلنا لهم مزايا على غيرهم من الخلق، بأن جعلهم في أحسن تقويم، وجعل الأنبياء فيهم وهم أفضل خلق الله على الإطلاق، ثم بعد الأنبياء في الفضل خواص الملائكة كجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش، ثم بعدهم أولياء البشر فهم أفضل من عوام الملائكة، ثم يليهم عوام الملائكة].
([2]) كانوا يذكرون الاسم من غير معرفته، لأن كلمة الله تذكر على ألسنة المؤمنين من العرب الأول ومن جاء بعدهم.
- تفسير سورة الإسراء من الآية واحد وستين إلى سبعين
