تفسير سورة الإسراء من الآية واحد إلى عشرة
تفسير سورة الإسراء من الآية واحد إلى عشرة
سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (1) وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا (2) ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا (3) وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا (4) فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا (5) ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا (6) إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا (7) عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا (8) إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا (9) وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما (10)- {سبحان} تنزيه الله عن السوء {الذي أسرى بعبده} محمد ﷺ {ليلا} قيده بالليل – والإسراء لا يكون إلا بالليل – للتأكيد، وأو ليدل بلفظ التنكير على تقليل مدة الإسراء وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة {من المسجد الحرام} قيل: أسري به من دار أم هانئ بنت أبي طالب، والمراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به. وقيل: هو المسجد الحرام بعينه وهو الظاهر، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذا أتاني جبريل بالبراق وقد عرج بي إلى السماء في تلك الليلة» وكان العروج به من بيت المقدس، وقد أخبر قريشا عن عيرهم([1]) وعدد جمالها وأحوالها، وأخبرهم أيضا بما رأى في السماء من العجائب، وأنه لقي الأنبياء عليهم السلام، وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى، وكان الإسراء قبل الهجرة بسنة وكان في اليقظة {إلى المسجد الأقصى} هو بيت المقدس لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد {الذي باركنا حوله} يريد بركات الدين والدنيا، لأنه متعبد الأنبياء عليهم السلام، ومهبط الوحي، وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة {لنريه} أي محمدا عليه الصلاة والسلام {من ءاياتنا} الدالة على وحدانية الله وصدق نبوته برؤيته السماوات وما فيها من الآيات {إنه هو السميع البصير} [وصف الله تعالى نفسه بأنه يسمع ويرى كما قال تعالى: { إنني معكما أسمع وأرى} [طه: 46] هذا طريق السمع، والعقل يدل على ذلك، فإن انتفاء السمع والبصر يدل على نقيضهما من الصمم والعمى والله تبارك وتعالى مقدس عن الاتصاف بالنقائص].
- {وءاتينا موسى الكتاب وجعلناه} أي الكتاب وهو التوراة {هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا} أي لا تتخذوا {من دوني وكيلا} ربا تكلون إليه أموركم.
- {ذرية من حملنا مع نوح} أي قلنا لهم: لا تتخذوا من دوني وكيلا يا ذرية من حملنا مع نوح {إنه} إن نوحا عليه السلام {كان عبدا شكورا} في السراء والضراء، والشكر: مقابلة النعمة بالثناء على الـمنعم، فاجعلوه أسوتكم كما جعله ءاباؤكم أسوتهم.
- {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض} وأوحينا إليهم وحيا مقضيا، أي مقطوعا مبتوتا بأنهم يفسدون في الأرض لا محالة. والكتاب: التوراة {مرتين} أولاهما قتل زكرياء عليه السلام وحبس أرمياء عليه السلام حين أنذرهم سخط الله، والأخرى قتل يحيى بن زكرياء عليه السلام وقصد قتل عيسى عليه السلام {ولتعلن علوا كبيرا} ولتستكبرن عن طاعة الله، والمراد به البغي والظلم وغلبة المفسدين على المصلحين.
- {فإذا جاء وعد أولاهما} وعد عقاب أولاهما {بعثنا عليكم} سلطنا عليكم {عبادا لنا أولي بأس شديد} أشداء في القتال، يعني سنحاريب وجنوده، أو بختنصر أو جالوت، قتلوا علماءهم، وأحرقوا التوراة، وخربوا المسجد، وسبوا منهم سبعين ألفا {فجاسوا خلال الديار} ترددوا للغارة فيها {وكان وعدا مفعولا} وكان وعد العقاب وعدا لا بد أن يفعل.
- {ثم رددنا لكم الكرة} الدولة والغلبة {عليهم} على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو، أعدنا لكم الدولة بملك طالوت وقتل داود جالوت {وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا} مما كنتم، جمع نفر، وهو من ينفر مع الرجل من قومه.
- {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} يعني أن الإحسان والإساءة كلاهما مختص بأنفسكم لا يتعدى النفع والضرر إلى غيركم. {فإذا جاء وعد الآخرة} وعد الـمرة الآخرة [من إفسادكم] بعثناهم [عليكم] {ليسوؤوا} هؤلاء {وجوهكم} ليجعلوها بادية ءاثار الـمساءة والكآبة فيها [أي ليفعلوا بكم ما يسوء وجوهكم بالسبي والقتل] {وليدخلوا المسجد} بيت الـمقدس {كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا} ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه.
- {عسى ربكم أن يرحمكم} بعد الـمرة الثانية إن تبتم توبة أخرى وانزجرتم عن المعاصي {وإن عدتم} مرة ثالثة {عدنا} إلى عقوبتكم، وقد عادوا، فأعاد الله عليهم النقمة بتسليط الأكاسرة، وضرب الإتاوة([2]) عليهم {وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا} محبسا، يقال للسجن: محصر وحصير.
- {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} للحالة التي هي أقوم الحالات وأسدها، وهي توحيد الله والإيمان برسله والعمل بطاعته {ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم} بأن لهم {أجرا كبيرا} أي الجنة.
