تفسير سورة النحل من الآية مئة وواحد وعشرين إلى مئة وثمان وعشرين
تفسير سورة النحل من الآية مئة وواحد وعشرين إلى مئة وثمان وعشرين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (121) وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين (122) ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (123) إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (124) ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125) وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (126) واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون (127) إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (128)
{شاكرا لأنعمه} [جمع نعمة، بإخلاص العبادة له] {اجتباه} اختصه واصطفاه للنبوة {وهداه إلى صراط مستقيم} إلى ملة الإسلام.
{وءاتيناه في الدنيا حسنة} نبوة وأموالا وأولادا {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} لمن أهل الجنة.
{ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} تعظيم منزلة نبينا عليه الصلاة والسلام وإجلال محله والإيذان بأن أشرف ما أوتي خليل الله من الكرامة اتباع رسولنا ملته.
{إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} فرض عليهم تعظيمه وترك الاصطياد فيه {وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} روي أن موسى عليه السلام أمرهم أن يجعلوا في الأسبوع يوما للعبادة، وأن يكون يوم الجمعة، فأبوا عليه وقالوا: نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق السماوات والأرض وهو السبت إلا شرذمة([1]) منهم قد رضوا بالجمعة، فهذا اختلافهم في السبت لأن بعضهم اختاروه وبعضهم اختاروا عليه الجمعة، فأذن الله لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد [فيه]، فأطاع أمر الله الراضون بالجمعة فكانوا لا يصيدون، وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله دون أولئك، وهو يحكم بينهم يوم القيامة، فيجازي كل واحد من الفريقين بما هو أهله.
{ادع إلى سبيل ربك} إلى الإسلام {بالحكمة} بالـمقالة الصحيحة الـمحكمة {والموعظة الحسنة} وهي التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم بها، وتقصد ما ينفعهم فيها {وجادلهم بالتي هي أحسن} بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} فمن كان فيه خير كفاه الوعظ القليل، ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل.
{وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} سمي الفعل الأول عقوبة – والعقوبة هي الثانية – لازدواج الكلام كقوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] فالثانية ليست بسيئة، والمعنى: إن صنع بم صنيع سوء من قتل أو نحوه فقابلوه بمثله ولا تزيدوا عليه {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} لصبركم خير لكم.
ثم قال لرسول الله ﷺ:
{واصبر} أنت، فعزم عليه بالصبر {وما صبرك إلا بالله} بتوفيقه وتثبيته {ولا تحزن عليهم} على الكفار إن لم يؤمنوا وعلى المؤمنين وما فعل بهم الكفار، فإنهم وصلوا إلى مطلوبهم {ولا تك في ضيق مما يمكرون} ولا يضيقن صدرك من مكرهم فإنه لا ينفذ عليك.
{إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} هو ولي الذين اجتنبوا السيئات، وولي العاملين بالطاعات. ومعيته: نصرته في المأمور، وعصمته في المحظور.