تفسير سورة النحل من الآية واحد وستين إلى سبعين
- تفسير سورة النحل من الآية واحد وستين إلى سبعين
ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (61) ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون (62) تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم (63) وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64) والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون (65) وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (66) ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون (67) وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون (68) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (69) والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير (70) - {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم} بكفرهم ومعاصيهم {ما ترك عليها} على الأرض {من دابة} قط، ولأهلكها كلها بشؤم ظلم الظالمين {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى} أي أجل كل أحد {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}.
- {ويجعلون لله ما يكرهون} ما يكرهونه لأنفسهم من البنات ومن شركاء في رئاستهم، ويجعلون له أرذل أموالهم، ولأصنامهم أكرمها {وتصف ألسنتهم الكذب} أي ويقولون الكذب [وهو] {أن لهم الحسنى} عند الله، وهي الجنة إن كان البعث حقا، كقوله: {ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى} [فصلت: 50] {لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون} مقدمون إلى النار معجلون إليها.
- {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك} أرسلنا رسلا إلى من تقدمك من الأمم {فزين لهم الشيطان أعمالهم} من الكفر والتكذيب بالرسل {فهو وليهم اليوم} قرينهم في الدنيا تولى إضلالهم بالغرور {ولهم عذاب أليم} في القيامة.
- {وما أنزلنا عليك الكتاب} القرءان {إلا لتبين لهم} للناس {الذي اختلفوا فيه} هو البعث، لأنه كان فيهم من يؤمن به {وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [هم الذين ينتفعون به، وينالون الهدى والرحمة].
- {والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون} سماع إنصاف وتدبر، لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه لا يسمع.
- {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه} كأنه قيل: كيف العبرة؟ فقال: {نسقيكم مما في بطونه} {من بين فرث ودم لبنا خالصا} يخلق الله اللبن وسيطا بين الفرث([1]) – والدم يكتنفانه، وبينه وبينهما برزخ لا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة، بل هو خالص من ذلك كله، قيل: إذا أكلت البهيمة العلف فاستقر في كرشها طبخته، فكان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما، والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها فتجري الدم في العروق، واللبن في الضروع ويبقى الفرث في الكرش، ثم ينحدر، وفي ذلك عبرة لمن اعتبر {سائغا للشاربين} سهل المرور في الحلق.
- {ومن ثمرات النخيل والأعناب} ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرهما {تتخذون منه سكرا} السكر: الخمر {ورزقا حسنا} هو الخل والرب والتمر والزبيب [ونحو ذلك]، [والآية إن كانت سابقة على تحريم الخمر فدالة على كراهتها، وإلا فجامعة] بين العتاب والـمنة [أي العتاب على اتخاذ ما يحرم والـمنة على اتخاذ ما يحل، وقيل: السكر: ما لا يسكر من الأنبذة، والرزق الحسن: التمر والزبيب] {إن في ذلك لآية} [دالة على قدرته تعالى] {لقوم يعقلون} [يستعملون عقولهم في التدبر فيها].
- {وأوحى ربك إلى النحل} [وألهمها] {أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون} يرفعون من سقوف البيت، أو من يبنون للنحل في الجبال والشجر والبيوت من الأماكن التي يتعسل فيها، لأنها لا تبني بيوتها في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش.
- {ثم كلي من كل الثمرات} ثم كلي كل ثمرة تشتهينها فإذا أكلتها {فاسلكي سبل ربك} فادخلي الطرق التي ألهمك في عمل العسل، أو إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك لا تضلين فيها {ذللا} الله تعالى ذللها وسهلها {يخرج من بطونها شراب} يريد العسل لأنه مما يشرب، تلقيه من فيها {مختلف ألوانه} منه أبيض وأصفر وأحمر {فيه شفاء للناس} لأنه من جملة الأدوية النافعة، وقل معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه العسل. وليس الغرض أنه شفاء لكل مريض، كما أن كل دواء كذلك. وشكا رجل استطلاق بطن أخيه فقال عليه الصلاة والسلام: «اسقه عسلا» فجاءه وقال: زاده شرا، فقال عليه السلام: «صدق الله وكذب بطن أخيك([2])، اسقه عسلا» فسقاه فصح. {إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} في عجيب أمرها.
{والله خلقكم ثم يتوفاكم} بقبض أرواحكم من أبدانكم {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} إلى أخسه وأحقره، وهو خمس وسبعون سنة، أو ثمانون، أو تسعون {لكي لا يعلم بعد علم شيئا} لينسى ما يعلم، أو لئلا يعلم زيادة علم على علمه {إن الله عليم} بحكم التحويل إلى الأرذل من الأكمل {قدير} على تبديل ما يشاء كما يشاء من الأشياء.
([1]) الفرث: هو ثفل الكرش، وهو ما يبقى في المعدة مما لم يتغذ منه الجسد، فإذا خرج صار من الفضلات.
([2]) كذب هنا بمعنى أخطا، أي لم يزده شرا، بل لم يحصل الشفاء التام منه بعد ولكنه سيحصل، ودليل صدق ذلك أنه شفي بعد أن سقاه عسلا مرة أخرى.
