تفسير سورة النحل من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
- تفسير سورة النحل من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون (71) والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون (72) ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون (73) فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون (74) ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (75) وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم (76) ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير (77) والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (78) ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (79) والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين (80) - {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق} جعلكم متفاوتين في الرزق، فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم {فما الذين فضلوا} في الرزق، يعني الـملاك {برادي} بمعطي {رزقهم على ما ملكت أيمانهم} فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم حتى تتساووا في الـملبس والـمطعم {فهم فيه سواء} فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا مع عبيدهم في الرزق، وهو مثل ضربه الله للذين جعلوا له شركاء فقال لهم: أنتم لا تسوون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم ولا تجعلونهم فيه شركاء، ولا ترضون ذلك لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟ {أفبنعمة الله يجحدون} فجعل ذلك [وهو جعلهم له تعالى شركاء] من جملة جحود النعمة.
- {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا} من جنسكم {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} جمع حافد، واختلف فيه، فقيل: هم أولاد الأولاد، [وقيل غير ذلك] {ورزقكم من الطيبات} أي بعضها لأن كل الطيبات في الجنة، وطيبات الدنيا أنموذج منها {أفبالباطل يؤمنون} هو ما يعتقدونه من منفعة الأصنام وشفاعتها {وبنعمت الله} الإسلام {هم يكفرون}.
- {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا} أي الصنم، وهو جماد لا يملك أن يرزق شيئا {ولا يستطيعون} ولا يمكنهم أن يملكوه ولا يتأتى ذلك منهم.
- {فلا تضربوا لله الأمثال} فلا تجعلوا لله مثلا فإنه لا مثل له، أي فلا تجعلوا له شركاء {إن الله يعلم} أنه لا مثل له من الخلق {وأنتم لا تعلمون} ذلك.
ثم ضرب الـمثل فقال:
- {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا} أي مثلكم في إشراككم بالله الأوثان مثل من سوى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف وبين حر مالك قد رزقه الله مالا فهو يتصرف فيه وينفق منه كيف شاء، وقيد بالمملوك ليميز من الحر، إذ هما من عباد الله {هل يستوون} لا يستوي القبيلان {الحمد لله} [الحمد الكامل لله وحده، فهو الخالق الـمنعم] {بل أكثرهم لا يعلمون} بأن الحمد والعبادة لله.
ثم زاد في البيان فقال:
- {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء} الأبكم: الذي ولد أخرس فلا يفهم ولا يفهم {[وهو كل على مولاه} ثقل وعيال على من يلي أمره ويعوله {أينما يوجهه لا يأت بخير} حيثما يرسله ويصرفه في مطلب حاجة، أو كفاية مهم لم ينفع ولم يأت بنجح([1]) {هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل} ومن هو سليم الحواس نفاع ذو كفايات مع رشد وديانة، فهو يأمر الناس بالعدل والخير {وهو} في نفسه {على صراط مستقيم} على سيرة صالحة ودين قويم، وهذا مثل ثان ضربه لنفسه ولما يفيض على عباده من ءاثار رحمته ونعمته، وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع.
- {ولله غيب السماوات والأرض} يختص به علم ما غاب فيهما عن العباد وخفي عليهم علمه {وما أمر الساعة} في قرب كونها وسرعة قيامها {إلا كلمح البصر} كرجع طرف، وإنما ضرب به المثل لأنه لا يعرف زمان أقل منه {أو هو أقرب} وليس هذا [للشك]، ولكن المعنى: كونوا في كونها على هذا الاعتبار، وقيل: [المعنى] بل هو أقرب {إن الله على كل شيء قدير} فهو يقدر على أن يقيم الساعة ويبعث الخلق لأنه بعض المقدورات، ثم دل على قدرته بما بعده فقال:
- {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} غير عالمين شيئا من حق الـمنعم الذي خلقكم في البطون {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا ءالات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه، واجتلاب العلم والعمل به من شكر الـمنعم وعبادته والقيام بحقوقه.
- {ألم يروا إلى الطير مسخرات} مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب الـمؤاتية([2]) لذلك {في جو السماء} هو الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو {ما يمسكهن} في قبضهن وبسطهن ووقوفهن {إلا الله} بقدرته {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} بأن الخلق لا غنى به عن الخالق.
{والله جعل لكم من بيوتكم سكنا} يسكن إليه وينقطع إليه من بيت أو إلف {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا} هي قباب الأدم([3]) {تستخفونها} ترونها خفيفة الـمحمل في الضرب والنقض والنقل {يوم ظعنكم} الظعن: الارتحال {ويوم إقامتكم} قراركم في منازلكم {ومن أصوافها} أصواف الضأن {وأوبارها} وأوبار الإبل {وأشعارها} وأشعار الـمعـز {أثاثا} متاع البيت {ومتاعا} وشيئا ينتفع به {إلى حين} مدة من الزمان.
([3]) قباب الأدم: القباب المتخذة من الأدم جمع أديم، وهو الجلد.
