تفسير سورة إبراهيم من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة إبراهيم من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص (21) وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم (22) وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام (23) ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (25) ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار (26) يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (27) ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار (28) جهنم يصلونها وبئس القرار (29) وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (30) - {وبرزوا لله جميعا} ويبرزون يوم القيامة، وإنما جيء به بلفظ الماضي لأن ما أخبر به عز وجل لصدقه كأنه قد كان ووجد، ومعنى بروزهم لله [أنهم] خرجوا من قبورهم فبرزوا لحساب الله وحكمه {فقال الضعفاء} في الرأي، وهم السفلة والأتباع {للذين استكبروا} وهم السادة والرؤساء الذين استغووهم وصدوهم عن الاستماع إلى الأنبياء وأتباعهم {إنا كنا لكم تبعا} تابعين {فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء} فهل تقدرون على دفع شيء مما نحن فيه {قالوا} لهم مجيبين معتذرين {لو هدانا الله لهديناكم} لو هدانا الله إلى الإيمان في الدنيا لهديناكم إليه {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا} مستويان علينا الجزع والصبر {ما لنا من محيص} منجى ومهرب جزعنا أم صبرنا، ويجوز أن يكون هذا من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعا.
- {وقال الشيطان لما قضي الأمر} حكم بالجنة والنار لأهليهما وفرغ من الحساب ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار {إن الله وعدكم وعد الحق} وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفى لكم بما وعدكم {ووعدتكم} بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء {فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان} من تسلط واقتدار {إلا أن دعوتكم} لكني دعوتكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني {فاستجبتم لي} فأسرعتم إجابتي {فلا تلوموني} لأن من تجرد للعداوة [لا يستغرب منه] إذا دعا إلى أمر قبيح من أن الرحمٰن قد قال لكم: {لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة} [الأعراف: 27] {ولوموا أنفسكم} حيث اتبعتموني بلا حجة ولا برهان {ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي} لا ينجي بعضنا بعضا من عذاب الله ولا يغيثه، والإصراخ: الإغاثة {إني كفرت بما أشركتمون من قبل} أي كفرت اليوم بإشراككم إياي مع الله من قبل هذا اليوم، أي في الدنيا كقوله: {ويوم القيامة يكفرون بشرككم} [فاطر: 14] ومعنى كفره بإشراكهم إياه تبرؤه منه واستنكاره له، كقوله: {إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم} [الممتحنة: 4]، ومعنى إشراكهم الشيطان بالله طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة الأوثان، وهذا ءاخر قول الشيطان، وقوله: {إن الظالمين لهم عذاب أليم} قول الله عز وجل.
- {وأدخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم} أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره {تحيتهم فيها سلام} هو تسليم بعضهم على بعض في الجنة، أو تسليم الملائكة عليهم.
- {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة} ضرب كلمة طيبة مثلا، يعني جعلها مثلا {كشجرة طيبة} أي هي كشجرة طيبة {أصلها ثابت} في الأرض ضارب بعروقه فيها {وفرعها} وأعلاها ورأسها {في السماء} والكلمة الطيبة: كلمة التوحيد، أصلها تصديق بالجنان، وفرعها إقرار باللسان، وأكلها عمل الأركان، وكما أن الشجرة شجرة وإن لم تكن حاملا، فالمؤمن مؤمن وإن لم يكن عاملا.
- {تؤتي أكلها كل حين} تعطي ثمرها كل وقت وقته الله لإثمارها {بإذن ربها} بتيسير خالقها وتكوينه {ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون} لأن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني.
- {ومثل كلمة خبيثة} هي كلمة الكفر {كشجرة خبيثة} هي كل شجرة لا يطيب ثمرها {اجتثت من فوق الأرض} استؤصلت جثتها {ما لها من قرار} أي استقرار، شبه بها القول الذي لا يعضد بحجة فهو داحض([1]) غير ثابت.
- {يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت} يديمهم عليه وهو قول لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله {في الحياة الدنيا} حتى إذا فتنوا في دينهم لم يزلوا، كما ثبت الذين فتنهم أصحاب الأخدود {وفي الآخرة} في القبر بتلقين الجواب وتمكين الصواب {ويضل الله الظالمين} فلا يثبتهم على القول الثابت في مواقف الفتن، وتزل أقدامهم أول شيء، وهم في الآخرة أضل وأزل {ويفعل الله ما يشاء} فلا اعتراض عليه في تثبيت المؤمنين وإضلال الظالمين.
- {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله} شكر نعمة الله {كفرا} لأن شكرها الذي وجب عليهم وضعوا مكانه كفرا، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلا، وهم أهل مكة، أكرمهم بمحمد عليه الصلاة والسلام فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر {وأحلوا قومهم} الذين تابعوهم على الكفر {دار البوار} دار الهلاك.
- {جهنم يصلونها} يدخلونها {وبئس القرار} وبئس الـمقر جهنم.
{وجعلوا لله أندادا} أمثالا في العبادة {ليضلوا عن سبيله} [ليضلوا بذلك عن سبيل طاعة الله غيرهم، كما ضلوا بأنفسهم] {قل تمتعوا} في الدنيا، والمراد به الخذلان والتخلية {فإن مصيركم إلى النار} مرجعكم إليها.
