تفسير سورة إبراهيم من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
- تفسير سورة إبراهيم من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال (31) الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار (32) وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار (33) وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار (34) وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (35) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم (36) ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون (37) ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء (38) الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء (39) رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء (40) - {قل لعبادي الذين ءامنوا} خصهم بالإضافة إليه تشريفا {يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم} قل لهم: ليقيموا الصلاة ولينفقوا {سرا وعلانية} مسرين ومعلنين، أي إنفاق سر وإنفاق علانية {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال} لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة([1])، وإنما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه الله.
- {الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء} من السحاب مطرا {فأخرج به من الثمرات رزقا لكم} أي أخرج به رزقا هو ثمرات {وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار}.
- {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين} دائمين أي يدأبان([2]) في سيرهما وإنارتهما ودرئهما الظلمات وإصلاحهما ما يصلحان من الأرض والأبدان والنبات {وسخر لكم الليل والنهار} يتعاقبان خلفة([3]) لمعاشكم وسباتكم([4]).
- {وءاتاكم من كل ما سألتموه} وءاتاك من كل شيء سألتموه وما لم تسألوه فحذفت الجملة الثانية لأن الباقي يدل على المحذوف [فلم نسأله شمسا ولا قمرا ولا كثيرا من نعمه التي ابتدأنا بها] {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها} لا تطيقوا عدها وبلوغ ءاخرها، هذا إذا أرادوا أن يعدوها على الإجمال، وأما التفصيل فلا يعلمه إلا الله {إن الإنسان} [الكافر] {لظلوم} [كثير الظلم لنفسه في معصيته] {كفار} شديد الكفران [لربه في نعمته].
- {وإذ قال إبراهيم} واذكر إذ قال إبراهيم: {رب اجعل هذا البلد} أي البلد الحرام {ءامنا} ذا أمن {واجنبني} وبعدني، أي وثبتني وأدمني على اجتناب عبادتها {وبني} أراد بنيه من صلبه {أن نعبد الأصنام} من أن نعبد الأصنام.
- {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس} جعلن مضلات على طريق التسبيب، لأن الناس ضلوا بسببهن فكأنهن أضللنهم {فمن تبعني} على ملتي وكان حنيفا مسلما مثلي {فإنه مني} أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي {ومن عصاني} فيما دون الشرك {فإنك غفور رحيم} أو ومن عصاني عصيان شرك فإنك غفور رحيم إن تاب وءامن.
- {ربنا إني أسكنت من ذريتي} بعض أولادي وهم إسماعيل ومن ولد منه {بواد} هو وادي مكة {غير ذي زرع} لا يكون فيه شيء من زرع قط {عند بيتك المحرم} هو بيت الله، سمي به لأن الله تعالى حرم التعرض له والتهاون به، وجعل ما حوله حرما لمكانه([5])، أو لأنه لم يزل ممنعا يهابه كل جبار، أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكها {ربنا ليقيموا الصلاة} ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع([6]) إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم ويعمروه بذكرك وعبادتك {فاجعل أفئدة من الناس} أفئدة من أفئدة الناس {تهوي إليهم} تسرع إليهم من البلاد الشاسعة وتطير نحوهم شوقا {وارزقهم من الثمرات} مع سكناهم واديا ما فيه شيء منها بأن تجلب إليهم من البلاد الشاسعة {لعلهم يشكرون} النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات في واد ليس فيه شجر ولا ماء.
- {ربنا} النداء الـمكرر دليل التضرع واللجوء إلى الله {إنك تعلم ما نخفي وما نعلن} تعلم السر كما تعلم العلن {وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء} [هذا] من كلام الله عز وجل تصديقا لإبراهيم عليه السلام، أو من كلام إبراهيم عليه السلام.
- {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر} وهب لي وأنا كبير {إسماعيل وإسحاق} روي أن إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحاق وهو ابن مائة وثنتي عشرة سنة {إن ربي لسميع الدعاء} مجيب الدعاء، وكان قد دعا ربه وسأله الولد فقال: {رب هب لي من الصالحين} [الصافات: 100] فشكر الله على ما أكرمه من إجابته.
{رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي} وبعض ذريتي، وإنما بعض لأنه علم بإعلام الله أنه يكون في ذريته كفار {ربنا وتقبل دعاء} استجب دعائي، أو عبادتي.
([3]) أي: يخلف كل منهما الآخر.
([5]) أي: لمكانته، ما يليه من المسافة المحدودة والمكان المحدود الذي بينه إبراهيم عليه السلام جعل حراما لمكانة البيت الحرام المشرف عند الله تعالى، فالإضافة في كلمة بيت الله إضافة تشريف.
