تفسير سورة إبراهيم من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
- تفسير سورة إبراهيم من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41) ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار (42) مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء (43) وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال (44) وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال (45) وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال (46) فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام (47) يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار (48) وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (49) سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار (50) - {ربنا اغفر لي ولوالدي} ءادم وحواء {وللمؤمنين يوم يقوم الحساب} أي يثبت.
- {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون} تسلية للمظلوم وتهديد للظالم، والمراد الإيذان بأنه تعالى معاقبهم على قليله وكثيره {إنما يؤخرهم} أي عقوبتهم {ليوم تشخص فيه الأبصار} أبصارهم لا تقر في أماكنها من هول ما ترى.
- {مهطعين} مسرعين إلى الداعي {مقنعي رؤوسهم} رافعيها {لا يرتد إليهم طرفهم} لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم {وأفئدتهم هواء} صفر([1]) من الخير، لا تعي شيئا من الخوف.
- {وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب} أي يوم القيامة، و{يوم} مفعول ثان لأنذر لا ظرف؛ إذ الإنذار لا يكون في ذلك اليوم {فيقول الذين ظلموا} أي الكفار: {ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل} أي ردنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى أمد وحد من الزمان قريب نتدارك ما فرطنا فيه من إجابة دعوتك واتباع رسلك، فيقال لهم: {أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال} حلفتم في الدنيا أنكم إذا متم لا تزالون عن تلك الحالة ولا تنتقلون إلى دار أخرى، يعني كفرتم بالبعث.
- {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} بالكفر {وتبين لكم} بالأخبار أو المشاهدة، تبين لكم حالهم و{كيف فعلنا بهم} أي أهلكناهم وانتقمنا منهم {وضربنا لكم الأمثال} أي صفات ما فعلوا وما فعل بهم، وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم.
- {وقد مكروا مكرهم} مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم، وهو ما فعلوه من تأييد الكفر {وعند الله مكرهم} ومكتوب عند الله مكرهم فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه([2])، وهو عذابهم الذي يأتيهم من حيث لا يشعرون {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} وإن وقع مكرهم لزوال أمر النبي ﷺ فعبر عن النبي ﷺ بالجبال لعظم شأنه، والمعنى: ومحال أن تزول الجبال بمكرهم، على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتا وتمكنا.
- {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله} مخلفا رسله وعده [بالنصر] {إن الله عزيز} غالب لا يماكر {ذو انتقام} لأوليائه من أعدائه.
- {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} قيل: تبدل أوصافها وتسير عن الأرض جبالها وتسوى فلا ترى فيها عوجا ولا أمتا([3])، وعن ابن عباس: هي تلك الأرض وإنما تغير – [أي صفاتها] – وتبدل السماء بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبوابا {وبرزوا} وخرجوا من قبورهم {لله الواحد القهار} هو كقوله: {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار([4])} [غافر: 16] لأن الـملك إذا كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لأحد إلى غيره.
- {وترى المجرمين} الكافرين {يومئذ} يوم القيامة {مقرنين} قرن بعضهم مع بعض {في الأصفاد} يقرنون في الأصفاد، والأصفاد: القيود أو الأغلال.
{سرابيلهم} قمصهم {من قطران} هو ما يتحلب([5]) من شجر يسمى الأبهل، فيطبخ فيهنأ([6]) به الإبل الجربى، فيحرق الجرب بحدته وحره، ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار، وهو أسود اللون منتن الريح، فيطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلاؤه لهم كالسرابيل، ليجتمع عليهم لذع القطران وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الريح، على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين، وكل ما وعده الله أو أوعد به في الآخرة فبينه وبين ما نشاهد من جنسه ما لا يقادر قدره، وكأنه ما عندنا منه إلا الأسامي والـمسميات ثمة، نعوذ بالله من سخطه وعذابه {وتغشى وجوههم النار} تعلوها باشتعالها وخص الوجه لأنه أعز موضع في ظاهر البدن كالقلب في باطنه.
([1]) الصفر بالكسر: الخالي، يقال: بيت صفر من المتاع، ورجل صفر اليدين.
([2]) مكر الله ليس بالمعنى الذي يطلق فيه المكر على العبد، الـمكر بالنسبة للعبد نقص، أما مكر الله بالماكرين فليس نقصا بل دليل على كمال قدرته، معناه يعاقبهم ويجازيهم على مكرهم من حيث لا يشعرون.
([3]) العوج: الانخفاض، والأمت: الارتفاع.
([4]) أي: يؤمر مناد ينادي فيقول: لمن الملك اليوم، فيجيبه أهل المحشر مؤمنهم وكافرهم: لله الواحد القهار.
