تفسير سورة يوسف من الآية واحد وستين إلى سبعين
- تفسير سورة يوسف من الآية واحد وستين إلى سبعين
قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون (61) وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون (62) فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون (63) قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين (64) ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير (65) قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل (66) وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون (67) ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (68) ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون (69) فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون (70) - {قالوا سنراود عنه أباه} سنخادعه عنه ونحتال حتى ننزعه من يده {وإنا لفاعلون} ذلك لا محالة، لا نفرط فيه ولا نتوانى، قال: فدعوا بعضكم رهنا، فتركوا عنده شمعون.
- {وقال لفتيانه} لغلمانه الكيالين {اجعلوا بضاعتهم} [المال الذي اشتروا به الطعام] {في رحالهم} أوعيتهم، وكانت ورقا {لعلهم يعرفونها} يعرفون حق ردها وحق التكرم بإعطاء البدلين {إذا انقلبوا إلى أهلهم} وفرغوا ظروفهم {لعلهم يرجعون} لعل معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا، أو ربما لا يجدون بضاعة بها يرجعون، أو لم ير من الكرم أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمنا.
- {فلما رجعوا إلى أبيهم} بالطعام وأخبروه بما فعل {قالوا يا أبانا منع منا الكيل} يريدون قول يوسف، لأنهم إذا أنذروا بمنع الكيل فقد منع الكيل {فأرسل معنا أخانا نكتل} نرفع المانع من الكيل ونكتل من الطعام ما نحتاج إليه {وإنا له لحافظون} عن أن يناله مكروه.
- {قال هل ءامنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل} يعني أنكم قلتم في يوسف كما تقولونه في أخيه، ثم خنتم بضمانكم فما يأمنني من مثل ذلك؟ ثم قال: {فالله خير حافظا}، فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم {وهو أرحم الراحمين} فأرجو أن ينعم علي بحفظه ولا يجمع علي مصيبتين.
- {ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي} أي ما نبغي في القل ولا نتجاوز الحق، أو ما نريد منك بضاعة أخرى، أو للاستفهام أي شيء نطلب وراء هذا؟ {هذه بضاعتنا ردت إلينا} فنستظهر بها {ونمير أهلنا} في رجوعنا إلى الملك، أي نجلب لهم ميرة، وهي طعام يحمل من غير بلدك {ونحفظ أخانا} في ذهابنا ومجيئنا فما يصيبه شيء مما تخافه {ونزداد} باستصحاب أخينا {كيل بعير} وسق بعير([1]) {ذلك كيل يسير} سهل عليه متيسر لا يتعاظمه.
- {قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا} عهدا {من الله} المعنى: حتى تعطوني ما أتوثق به من عند الله، أراد أن يحلفوا له بالله، لأن الحلف به مما يؤكد به العهود {لتأتنني به} المعنى: حتى تحلفوا لتأتنني به {إلا أن يحاط بكم} إلا أن تغلبوا، فلم تطيقوا الإتيان به {فلما ءاتوه موثقهم} حلفوا بالله {قال} يعقوب: {الله على ما نقول} من طلب الـموثق وإعطائه {وكيل} رقيب مطلع.
- {وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة} خاف عليهم العين لجمالهم وجلالة أمرهم، ولم يأمرهم بالتفرق في الكرة الأولى لأنهم كانوا مجهولين في الكرة الأولى، فالعين حق عندنا، ووجه بأن يحدث الله تعالى عند النظر إلى الشيء الإعجاب به نقصانا فيه وخللا، وكان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين رضي الله عنهما فيقول: «أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل [شيطان و] هامة([2])، ومن كل عين لامة([3])» {وما أغني عنكم من الله من شيء} إن كان الله أراد بكم سوءا لم ينفعكم ولم يدفع عنكم ما أشرت به عليكم من التفرق، وهو مصيبكم لا محالة {إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون} التوكل: تفويض الأمر إلى الله تعالى والاعتماد عليه.
- {ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم} متفرقين {ما كان يغني عنهم} دخولهم من أبواب متفرقة {من الله من شيء} أي شيئا قط حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم، وافتضاحهم بذلك، وأخذ أخيهم بوجدان الصواع في رحله، وتضاعف المصيبة على أبيهم {إلا حاجة} ولكن حاجة {في نفس يعقوب قضاها} وهي شفقته عليهم {وإنه لذو علم} بأن القدر لا يغني عنه الحذر {لما علمناه} لتعليمنا إياه {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ذلك.
- {ولما دخلوا على يوسف ءاوى إليه أخاه} ضم إليه بنيامين، وروي أنهم قالوا له: هذا أخونا قد جئناك به، فقال لهم: أحسنتم، فأنزلهم وأكرمهم، ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة، فبقي بنيامين وحده فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه، فقال يوسف: بقي أخوكم وحيدا، فأجلسه معه على مائدته وجعل يؤاكله وقال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال: ومن يجد أخا مثلك، ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف وعانقه، ثم {قال} له: {إني أنا أخوك} يوسف {فلا تبتئس} فلا تحزن {بما كانوا يعملون} بنا فيما مضى، فإن الله قد أحسن إلينا وجمعنا على خير، ولا تعلمهم بما أعلمتك. وروي أنه قال له: فأنا لا أفارقك، قال: قد علمت اغتمام والدي بي فإن حبستك ازداد غمه، ولا سبيل إلى ذلك إلا أن أنسبك إلى ما لا يحمد، قال: لا أبالي فافعل ما بدا لك، قال: فإني أدس صاعي في رحلك، ثم أنادي عليك بأنك سرقته [أي فيما يظهر لمن لم يعلم حقيقة الأمر، كقوله تعالى إخبارا عما يقال للكافر في جهنم {ذق إنك أنت العزيز الكريم} [الدخان: 49] أي عند نفسك لا عندنا] ليتهيأ لي ردك بعد تسريحك معهم، فقال: افعل.
{فلما جهزهم بجهازهم} هيأ أسبابهم وأوفى الكيل لهم {جعل السقاية في رحل أخيه} السقاية هي مشربة يسقى بها، وهي الصواع، قيل: كان يسقى بها الملك، ثم جعلت صاعا يكال به لعزة الطعام، وكان يشبه الطاس من فضة أو ذهب {ثم أذن مؤذن} ثم نادى مناد، روي أنهم ارتحلوا وأمهلهم يوسف عليه السلام حتى انطلقوا، ثم أمر بهم، فأدركوا وحبسوا، ثم قيل لهم: {أيتها العير} هي الإبل التي عليها الأحمال، والمراد أصحاب العير {إنكم لسارقون} كناية عن سرقتهم إياه من أبيه.
([2]) هامة: واحدة الهوام، والهوام: ما كان من خشاش الأرض نحو العقارب ونحوها، وقيل: الحيات وكل ذي سم يقتل سمه، سميت بذلك لأنها تهم أي تدب.
- تفسير سورة يوسف من الآية واحد وستين إلى سبعين
