تفسير سورة يوسف من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
- تفسير سورة يوسف من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون (71) قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (72) قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين (73) قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين (74) قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين (75) فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم (76) قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون (77) قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين (78) قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون (79) فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين (80) - 72- {قالوا} [أي إخوة يوسف] {وأقبلوا عليهم} [وتوجهوا إلى من أرسلهم يوسف عليه السلام] {ماذا تفقدون} [أي شيء فقدتم وجئتم تطلبونه؟] {قالوا نفقد صواع الملك} هو الصاع {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} يقوله المؤذن، يريد: وأنا بحمل البعير كفيل أؤديه إلى من جاء به.
- {قالوا تالله} قسم فيه معنى التعجب مما أضيف إليهم {لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض} استشهدوا بعلمهم لأنهم ردوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم {وما كنا سارقين} وما كنا نوصف قط بالسرقة.
- {قالوا فما جزاؤه} أي فما جزاء سرقته {إن كنتم كاذبين} في جحودكم وادعائكم البراءة منه.
- {قالوا جزاؤه من وجد في رحله} أي جزاء سرقته أخذ من وجد في رحله، وكان حكم السارق في ءال يعقوب أن يسترق سنة، فلذلك استفتوا في جزائه، وقولهم: {فهو جزاؤه} تقرير للحكم، أي فأخذ السارق نفسه هو جزاؤه لا غير {كذلك نجزي الظالمين} أي السراق بالاسترقاق.
- {فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه} فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء بنيامين لنفي التهمة حتى بلغ وعاءه، فقال: ما أظن هذا أخذ شيئا، فقالوا: والله لا نتركه حتى تنظر في رحله، فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا {ثم استخرجها} أي الصواع {من وعاء أخيه} ذكر ضمير الصواع مرات ثم أنثه لأن التأنيث يرجع إلى السقاية {كذلك} مثل ذلك الكيد العظيم {كدنا ليوسف} يعني علمناه إياه {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك}، لأن الحكم في دين الملك أي في سيرته للسارق أن يغرم مثلي ما أخذ لا أن يستعبد {إلا أن يشاء الله} ما كان ليأخذه إلا بمشيئة الله وإرادته فيه {نرفع درجات من نشاء} في العلم كما رفعنا درجة يوسف فيه {وفوق كل ذي علم عليم} وهو الله عز وجل.
- {قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} أرادوا يوسف، قيل: كانت منطقة([1]) لإبراهيم عليه السلام [يتعاقبها] أكابر ولده [فوصلت ليد] إسحاق، ثم وقعت إلى ابنته وكانت أكبر أولاده، فحضنت يوسف – وهي عمته – بعد وفاة أمه، وكانت لا تصبر عنه، فلما شب أراد يعقوب أن ينزعه منها، فعمدت إلى الـمنطقة فحزمتها على يوسف تحت ثيابه، وقالت: فقدت منطقة إسحاق فانظروا من أخذها، فوجدوها محزومة على يوسف، فقالت: إنه ليس سلم أفعل به ما شئت، فخلاه يعقوب عندها حتى ماتت. وروي أنهم لما اسخرجوا الصاع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم حياء وأقبلوا عليه، وقالوا له: فضحتنا وسودت وجوهنا، يا بني راحيل ما يزال لنا مكم بلاء، متى أخذت هذا الصاع؟ فقال: بنو راحيل الذين لا يزال منكم عليهم بلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه، ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم {فأسرها يوسف في نفسه} أي مقالتهم إنه سرق كأنه لم يسمعها {ولم يبدها لهم} [أي لم يظهرها لهم، أي لم يقل: أنا يوسف وما سرقت قط، فلم كذبتم علي؟] {قال أنتم شر مكانا} [قال في نفسه] أنتم شر منزلة في السرق، لأنكم سرقتم أخاكم يوسف من أبيه {والله أعلم بما تصفون} تكذبون [وتصفونه به من السرقة].
- {قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا} في السن وفي القدر {فخذ أحدنا مكانه} أبدله على وجه الاسترهان أو الاستعباد، فإن أباه يتسلى به عن أخيه المفقود {إنا نراك من المحسنين} إلينا فأتمم إحسانك، أو من عادتك الإحسان فاجر على عادتك ولا تغيرها.
- {قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده} نعوذ بالله معاذا من أن نأخذ [غير الجاني في حقنا] {إنا إذا لظالمون} لأن المعنى: إن أخذنا بدله ظلمنا، وهذا لأنه وجب على قضية فتواكم أخذ من وجد الصاع في رحله واستعباده، فلو أخذنا غيره كان ذلك ظلما في مذهبكم، فلم تطلبون ما عرفتم أنه ظلم.
{فلما استيأسوا} يئسوا {منه} من يوسف وإجابته إياهم {خلصوا} انفردوا عن الناس خالصين لا يخالطهم سواهم {نجيا} ذوي نجوى، وكان تناجيهم في تدبير أمرهم: على أي صفة يذهبون وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم؟ {قال كبيرهم} في السن وهو روبيل، أو في العقل والرأي وهو يهوذا أو رئيسهم وهو شمعون {ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف} أي ومن قبل هذا قصرتم في شأن يوسف ولم تحفظوا عهدا {فلن أبرح الأرض} فلن أفارق أرض مصر {حتى يأذن لي أبي} في الانصراف إليه {أو يحكم الله لي} بالخروج منها، أو بالموت، أو بقتالهم {وهو خير الحاكمين} لأنه لا يحكم إلا بالعدل.
- تفسير سورة يوسف من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
