تفسير سورة يوسف من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
- تفسير سورة يوسف من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (31) قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين (32) قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين (33) فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم (34) ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (35) ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين (36) قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون (37) واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (38) يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار (39) ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (40) - {فلما سمعت} راعيل {بمكرهن} باغتيابهن {أرسلت إليهن} دعتهن، قيل: دعت أربعين امرأة، منهن الخمس المذكورات {وأعتدت} وهيأت {لهن متكأ} ما يتكئن عليه من نمارق([1])، قصدت بتلك الهيئة – وهي قعودهن متكئات والسكاكين في أيديهن – أن يدهشن عند رؤيته ويشغلن عن نفوسهن، فتقع أيديهن على أيديهن فيقطعنها، لأن المتكئ إذا بهت لشيء وقعت يده على يده {وءاتت كل واحدة منهن سكينا} وكانوا لا يأكلون في ذلك الزمان إلا بالسكاكين كفعل الأعاجم {وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه} أعظمنه، وكان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء، وكان إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران، وكان يشبه ءادم يوم خلقه ربه {وقطعن أيديهن} وجرحنها، أي أردن أن يقطعن القطعام الذي في أيديهن فدهشن لـما رأينه فخدشن أيديهن {وقلن حاش لله} المعنى تنزيه الله عن صفات العجز، والتعجب من قدرته تعالى على خلق جميل مثله {ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم} نفين عنه البشرية لغرابة جماله وأثبتن له الـملكية وبتتن بها الحكم لما ركز في الطباع أن لا أحسن من الـملك كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان.
- {قالت فذلكن الذي لمتنني فيه} تقول: هو ذلك العبد الكنعاني الذي صورتن في أنفسكن ثم لمتنني في الافتتان به، [ثم اعترفت بأنها راودته عن نفسه فقالت]: {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} والاستعصام يدل على الامتناع البليغ، وهذا بيان جلي على أن يوسف عليه السلام بريء مما فسر به بعضهم الهم والبرهان مما هو خلاف عصمة الأنبياء عليهم السلام، ثم قلن له: أطع مولاتك، فقالت راعيل: {ولئن لم يفعل ما ءامره} ولئن لم يفعل موجب أمري ومقتضاه {ليسجنن} ليحبسن {وليكونا من الصاغرين} [أي الأذلاء] مع السراق والسفاك.
فلما سمع يوسف تهديدها:
- {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} أسند الدعوة إليهن لأنهن قلن له: ما عليك لو أجبت مولاتك، أو افتتنت كل واحدة به فدعته إلى نفسها سرا فالتجأ إلى ربه، وقال: رب السجن أحب إلي من ركوب المعصية {وإلا تصرف عني كيدهن} فزع منه إلى الله في طلب العصمة {أصب إليهن} أمل إليهن، والصبوة: الميل إلى الهوى، ومنه الصبا([2]) لأن النفوس تصبو غليها لطيب نسيمها وروحها {وأكن من الجاهلين} من الذين لا يعملون بما يعلمون.
- {فاستجاب له ربه} أجاب الله دعاءه {فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع} لدعوات الملتجئين إليه {العليم} بحاله وحالهن.
- {ثم بدا لهم} ظهر لهم رأي [أي] للعزيز وأهله {من بعد ما رأوا الآيات} وهي الشواهد على براءته كقد القميص وشهادة الصبي وغير ذلك {ليسجننه} لإرخاء الستر على القيل والقال، وما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها، وكان مطواعا لها، زمامه في يدها، وقد طمعت أن يذلله السجن ويسخره لها {حتى حين} إلى زمان، كأنها اقترحت أن يسجن زمانا حتى تبصر ما يكون منه.
- {ودخل معه السجن فتيان} عبدان للملك خبازه وشرابيه([3]) بتهمة السم، فأدخلا السجن ساعة أدخل يوسف {قال أحدهما} أي شرابيه {إني أراني} في المنام {أعصر خمرا} عنبا، تسمية للعنب بما يؤول إليه {وقال الآخر} أي خبازه {إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله} بتأويل ما رأيناه {إنا نراك من المحسنين} من الذين يحسنون عبارة الرؤيا.
- {قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله} ببيان ماهيته وكيفيته، لأن ذلك يشبه تفسير المشكل {قبل أن يأتيكما} لـما استعبراه([4]) ووصفاه بالإحسان افترص([5]) ذلك فوصل به وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء وهو الإخبار بالغيب، وأنه ينبئهما بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما ويصفه لهما ويقول يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت فيكون كذلك وجعل ذلك تخلصا إلى أن يذكر لهما التوحيد ويعرض عليهما الإيمان ويزينه لهما ويقبح إليهما الشرك، وفيه أن العالم إذا جهلت منزلته في العلم فوصف نفسه بما هو بصدده – وغرضه أن يقتبس منه [وينتفع به في الدين] – لم يكن من باب التزكية {ذلكما} إشارة لهما إلى التأويل، أي ذلك التأويل والإخبار بالـمغيبات {مما علمني ربي} وأوحى به إلي ولم أقله عن تكهن وتنجم {إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون} علمني ذلك وأوحى به إلي لأني رفضت ملة أولئك، وهم أهل مصر ومن كان الفتيان على دينهم. وتكرير «هم» للتوكيد.
- {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} وهي الـملة الحنيفية، وذكر الآباء ليريهما أنه من بيت النبوة بعد أن عرفهما أنه نبي بما ذكر من إخباره بالغيوب ليقوي رغبتهما في اتباع قوله، والمراد بقوله: {تركت} الترك ابتداء لا أنه كان فيه ثم تركه {ما كان لنا} ما صح لنا معشر الأنبياء {أن نشرك بالله من شيء} أي شيء كان صنما أو غيره، ثم قال: {ذلك} التوحيد {من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} فضل الله، فيشركون به ولا ينتهون.
- {يا صاحبي السجن} يا ساكني السجن {أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} أي أن تكون أرباب شتى؛ يستعبدكما هذا ويستعبدكما هذا خير لكما أم يكون لكما رب واحد قهار لا يغالب ولا يشارك في الربوبية؟ [وهو استفهام بمعنى النفي].
- {ما تعبدون} خطاب لهما ولمن كان على دينهما من أهل مصر {من دونه} من دون الله {إلا أسماء سميتموها أنتم وءاباؤكم} سميتم ما لا يستحق الإلهية ءالهة، ثم طفقتم تعبدونها، فكأنكم لا تعبدون إلا أسماء لا مسميات لها {ما أنزل الله بها} بتسميتها [ءالهة وعبادتها] {من سلطان} حجة {إن الحكم} في أمر العبادة والدين {إلا لله} ثم بين ما حكم به فقال: {أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم} الثابت الذي دلت عليه البراهين {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [لا يتفكرون فيه ولا ينظرون فلا يعلمون].
([1]) النمارق: الوسائد، واحدتها: نمرقة، وقيل: هي الوسادة الصغيرة.
([2]) الصبا: ريح تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، ومقابلتها الدبور.
([3]) نسبة إلى الشراب، أي: ساقيه الشراب.
- تفسير سورة يوسف من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
