تفسير سورة يوسف من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
تفسير سورة يوسف من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان (41) وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين (42) وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون (43) قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين (44) وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45) يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون (46) قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون (47) ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون (48) ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون (49) وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم (50)
ثم عبر الرؤيا فقال:- {يا صاحبي السجن أما أحدكما} يريد الشرابي {فيسقي ربه} سيده {خمرا} أي يعود إلى عمله {وأما الآخر} أي الخباز {فيصلب فتأكل الطير من رأسه} ولـما سمع الخباز صلبه قال: ما رأيت شيئا، فقال يوسف: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} قطع وتم ما تستفتيان فيه من أمركما وشأنكما.
- {وقال للذي ظن أنه ناج منهما} الظان هو يوسف، والظن [هنا] بمعنى اليقين، [لأن تأويله الرؤيا كان بطريق الوحي] {اذكرني عند ربك} صفني عند الملك بصفتي، وقص عليه قصتي لعله يرحمني ويخلصني من هذه الورطة {فأنساه الشيطان} فأنسى [الشيطان] الشرابي {ذكر ربه} أن يذكره لربه {فلبث في السجن بضع سنين} سبعا عند الجمهور، والبضع: ما بين الثلاث إلى التسع.
- {وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات} لـما دنا فرج يوسف رأى ملك مصر الريان بن الوليد رؤيا عجيبة هالته، رأى سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف، فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها، وسبعا أخر يابسات قد استحصدت([1]) وأدركت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها [فلم يبق من خضرتها شيء]، فاستعبرها فلم يجد في قومه من يحسن عبارتها. سمان: جمع سمين وسمينة، والعجاف: الـمهازيل، والعجف: الهزال {يا أيها الملأ} كأنه أراد الأعيان من العلماء والحكماء {أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون}.
- {قالوا أضغاث أحلام} هي أضغاث أحلام، أي تخاليطها وأباطيلها وما يكون منها من حديث نفس أو وسوسة شيطان {وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين} أرادوا بالأحلام المنامات الباطلة، فقالوا: ليس لها عندنا تأويل إنما التأويل للمنامات الصحيحة، أو اعترفوا بقصور علمهم وأنهم ليسوا في تأويل الأحلام بخابرين.
- {وقال الذي نجا} من القتل {منهما} من صاحبي السجن {وادكر} تذكر يوسف وما شاهد منه {بعد أمة} بعد مدة طويلة، وذلك أنه حين استفتى الـملك في رؤياه وأعضل على الملأ تأويلها، تذكر الناجي يوسف وتأويله رؤياه ورؤيا صاحبه وطلبه إليه أن يذكره عند الـملك {أنا أنبئكم بتأويله} أنا أخبركم به عمن عنده علمه {فأرسلون} فابعثوني إليه لأسأله، فأرسلوه إلى يوسف فأتاه، فقال:
- {يوسف أيها الصديق} أيها البليغ في الصدق، وإنما قال له ذلك لأنه ذاق أحواله وتعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه حيث جاء كما أول {أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس} إلى الـملك وأتباعه {لعلهم يعلمون} فضلك ومكانك من العلم فيطلبوك ويخلصوك من محنتك.
- {قال تزرعون سبع سنين} [متتابعة] خبر في معنى الأمر {دأبا} دائبين [على عادتكم بجد] {فما حصدتم فذروه في سنبله} كي لا يأكله السوس {إلا قليلا مما تأكلون} في تلك السنين [أي تخرجون منه بقدر الحاجة].
- {ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد} [أي سبع سنين مجدبة، فيها الضيق والشدة] {يأكلن} هو من الإسناد المجازي، جعل أكل أهلهن مسندا إليهن {ما قدمتم لهن} في السنين الـمخصبة {إلا قليلا مما تحصنون} تحرزون وتخبئون.
- {ثم يأتي من بعد ذلك عام} أي من بعد أربع عشرة سنة عام {فيه يغاث الناس} من الغوث أي يجاب مستغيثهم، أو من الغيث أي يمطرون {وفيه يعصرون} العنب والزيتون والسمسم فيتخذون الأشربة والأدهان، فأول البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأن العام الثامن يجيء مباركا كثير الخير غزير النعم، وذلك من جهة الوحي.
- {وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول} ليخرجه من السجن {قال ارجع إلى ربك} أي الـملك {فاسأله ما بال النسوة} أي حال النسوة {اللاتي قطعن أيديهن} إنما تثبت يوسف وتأنى في إجابة الملك وقدم سؤال النسوة ليظهر براءة ساحته عما رمي به وسجن فيه، لئلا يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح أمره عنده ويجعلوه سلما إلى حط منزلته لديه، ولئلا يقولوا: ما خلد في السجن سبع سنين إلا لأمر عظيم وجرم كبير، وفيه دليل على أن الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها {إن ربي بكيدهن عليم} أي إن كيدهن عظيم لا يعلمه إلا الله، وهو مجازيهن عليه.
فرجع الرسول إلى الـملك من عند يوسف برسالته، فدعا الـملك النسوة الـمقطعات أيديهن ودعا امرأة العزيز، ثم:
