تفسير سورة يوسف من الآية واحد إلى عشرة
تفسير سورة يوسف من الآية واحد إلى عشرة
الر تلك آيات الكتاب المبين (1) إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (2) نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين (3) إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين (4) قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين (5) وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم (6) لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين (7) إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين (8) اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين (9) قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين (10)- {الر([1]) تلك ءايات الكتاب المبين} {تلك} إشارة إلى ءايات هذه السورة، والكتاب المبين: السورة، أي تلك الآيات ءايات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب.
- {إنا أنزلناه قرآنا عربيا} أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف عليه السلام في حال كونه قرءانا عربيا {لعلكم تعقلون} لكي تفهموا معانيه، {ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته} [فصلت: 44].
- {نحن نقص عليك أحسن القصص} نبين لك أحسن البيان، والقاص: الذي يأتي بالقصة على حقيقتها، والمراد أنه اقتص على أبدع طريقة وأعجب أسلوب، لما يتضمن من العبر والحكم والعجائب {بما أوحينا إليك هذا القرءان} بإيحائنا إليك هذه السورة {وإن كنت من قبله لمن الغافلين} عنه، يعني كنت من قبل إيحائنا إليك من الجاهلين به.
- {إذ قال} اذكر إذ قال {يوسف لأبيه} يعقوب: {يا أبت إني رأيت} من الرؤيا [أي في المنام] لا من الرؤية {أحد عشر كوكبا والشمس والقمر} هما أبواه، والكواكب إخوته {رأيتهم لي ساجدين} [قال {رأيتهم} ولم يقل (رأيتها)] لأنه وصفها بما هو المختص بالعقلاء وهو السجود، وكررت الرؤيا لأن الأولى تتعلق بالذات والثانية بالحال وكان ابن ثنتي عشرة سنة يومئذ، وكان بين رؤيا يوسف ومصير إخوته إليه أربعون سنة، أو ثمانون.
- {قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا} إن قصصتهأ عليهم كادوك. عرف يعقوب عليه السلام أن الله يصطفيه للنبوة، وينعم عليه بشرف الدارين، فخاف عليه حسد الإخوة {إن الشيطان للإنسان عدو مبين} ظاهر العداوة، فيحملهم على الحسد والكيد.
- {وكذلك} ومثل ذلك الاجتباء الذي دلت عليه رؤياك {يجتبيك ربك} يصطفيك {ويعلمك من تأويل الأحاديث} يعلمك تأويل الرؤيا {ويتم نعمته عليك} [بالنبوة والإيحاء] {وعلى ءال يعقوب} بأن وصل لهم نعمة الدنيا بنعمة الآخرة، أي جعلهم أنبياء في الدنيا وملوكا، ونقلهم عنها إلى الدرجات العلى في الجنة، وءال يعقوب أهله وهم نسله وغيرهم {كما أتمها على أبويك من قبل} أراد الجد وأبا الجد {إبراهيم وإسحاق} [فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام] {إن ربك عليم} يعلم من يحق له الاجتباء {حكيم} [فيما حكم له ولأبيه ولإخوته بما حكم].
- {لقد كان في يوسف وإخوته} في قصتهم وحديثهم {ءايات} علامات ودلالات على قدرة الله وحكمته في كل شيء {للسائلين} لمن سأل عن قصتهم وعرفها، أو ءايات على نبوة محمد ﷺ للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم من غير سماع من أحد ولا قراءة كتاب.
- {إذ قالوا ليوسف وأخوه} [شقيقه بنيامين] {أحب إلى أبينا منا} قالوا: {وأخوه} – وهم إخوته أيضا – لأن أمهما كانت واحدة {ونحن عصبة} أي يفضلهما في الـمحبة علينا وهما صغيران لا كفاية فيهما ونحن عشرة رجال كفاة نقوم بمرافقه، فنحن أحق بزيادة الـمحبة منهما لفضلنا بالكثرة والمنفعة عليهما {إن أبانا لفي ضلال مبين} غلط في تدبير أمر الدنيا، ولو وصفوه بالضلالة في الدين لكفروا، [بل لو أرادوا ذمه وتسفيهه ولو في أمور الدنيا وهو نبي من أنبياء الله الذين أخبرنا الله أنه فضلهم على العالمين وأمرنا بتعظيمهم فهو كفر أيضا، ولعل مراده أنه كان عندهم باللغة التي عبروا بها يحتمل هذا اللفظ معنيين أحدهما: التحقير والتسفيه، والثاني: مجرد الخطإ في أمر من أمور الدنيا، و{مبين} بمعنى ظاهر، ولم يقصدوا الضلال الذي هو ضد الهدى ولا الطعن به وذمه إنما فقط وصف الحال بأنه مخطئ في أمر من أمور الدنيا فلم يكفروا على هذا التقدير، وإلا فبحسب الظاهر هذا طعن شديد بأبيهم نبي الله الـمشرف عند الله تعالى فيه تسفيه وتجهيل له عليه السلام، والطعن بالأنبياء وتسفيههم كفر صريح، نقل الطبري وأبو حيان الأندلسي عن قتادة أنه قال عنهم: قالوا لوالدهم كلمة غليظة لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم ولا لنبي الله ﷺ].
- {اقتلوا يوسف} كأنهم أطبقوا على ذلك إلا من قال: {لا تقتلوا يوسف}، وقيل: الآمر بالقتل شمعون، والباقون كانوا راضين فجعلوا ءامرين {أو اطرحوه أرضا} منكورة مجهولة بعيدة عن العمران {يخل لكم وجه أبيكم} يقبل عليكم إقبالة واحدة لا يلتفت عنكم إلى غيركم {وتكونوا من بعده} من بعد يوسف، أي من بعد كفايته بالقتل أو التغريب، أو من بعد قتله أو طرحه {قوما صالحين} تائبين إلى الله مما جنيتم [أرادوا نفعل بيوسف ما نفعل ثم نتوب إلى الله]، أو يصلح حالكم عند أبيكم [وقتل الصبي الصغير أو رميه في أرض منكورة مهجورة وحيدا أو رميه في البئر من أخبث المعاصي والفجور ولو كان الصبي غريبا، فكيف إذا كان هذا الصبي أخاهم، وكيف إذا كان والد الصبي الذي فجعوه بما فعلوا بابنه وكادوه به هو أباهم، وكيف إذا كان نبي الله تعالى الـمشرف الذي أمروا بتعظيمه وتوقيرهه والائتمار بأمره].
([1]) قال النسفي في تفسيره لأول سورة يونس {الر}: هو تعديد للحروف على طريق التحدي، [وقيل غير ذلك كما ذكر النسفي عند تفسيره لأول سورة البقرة].
