تفسير سورة هود من الآية واحد إلى عشرة
تفسير سورة هود من الآية واحد إلى عشرة
الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1) ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير (2) وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير (3) إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير (4) ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور (5) وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين (6) وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (8) ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور (9) ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور (10)- {الر([1]) كتاب أحكمت ءاياته} نظمت نظما رصينا محكما لا يقع فيه نقص ولا خلل كالبناء المحكم {ثم فصلت} كما تفصل القلائد بالفرائد([2]) من دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص، أو جعلت فصولا سورة سورة وءاية ءاية، وليس معنى {ثم} التراخي في الوقت، [بل جاءت لترتيب الأخبار، لا لترتيب الوقوع] {من لدن حكيم خبير} من عنده إحكامها وتفصيلها.
- {ألا تعبدوا إلا الله} لئلا تعبدوا، أو أمركم ألا تعبدوا إلا الله {إنني لكم منه نذير وبشير} [مخوف بالعذاب إن عصيتموه ومبشر بالثواب إن أطعتموه].
- {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} استغفروا من الشرك([3])، ثم ارجعوا إليه بالطاعة {يمتعكم متاعا حسنا} يطول نفعكم في الدنيا بمنافع حسنة مرضية من عيشة واسعة ونعمة متتابعة {إلى أجل مسمى} إلى أن يتوفاكم {ويؤت كل ذي فضل فضله} ويعط في الآخرة كل من كان له فضل في العمل وزيادة فيه جزاء فضله لا يبخس([4]) منه شيئا {وإن تولوا} وإن تتولوا {فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير} هو يوم القيامة.
- {إلى الله مرجعكم} رجوعكم {وهو على كل شيء قدير} فكان قادرا على إعادتكم.
- {ألا إنهم يثنون صدورهم} يزورون([5]) عن الحق وينحرفون عنه {ليستخفوا منه} ليطلبوا الخفاء من الله، فلا يطلع رسوله والمؤمنون على ازورارهم {ألا حين يستغشون ثيابهم} يتغطون بها {يعلم ما يسرون وما يعلنون} فلا وجه لتوصلهم إلى ما يريدون من الاستخفاء، ونفاقهم غير نافع عنده {إنه عليم بذات الصدور} بما فيها.
- {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} تفضلا لا وجوبا {ويعلم مستقرها} من الأرض [حيث تأوى إليه] {ومستودعها} [أي الموضع الذي تموت فيه فتدفن، وقيل: {ويعلم مستقرها} في الرحم، {ومستودعها} في الصلب] {كل في كتاب مبين} كل واحد من الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها في اللوح.
- {وهو الذي خلق السماوات والأرض} وما بينهما {في ستة أيام} من الأحد إلى الجمعة تعليما للتأني {وكان عرشه على الماء} أي فوقه، يعني: ما كان تحته خلق قبل خلق السماوات والأرض إلا الماء، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلق السماوات والأرض {ليبلوكم} أي خلق السماوات والأرض ما بينهما للممتحن فيهما ولم يخلق هذه الأشياء لأنفسها {أيكم أحسن عملا} أكثر شكرا، [أو أيكم أعمل بالطاعة] {ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} أشاروا بهذا إلى القرءان، لأن القرءان هو الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحرا فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث وغيره.
- {ولئن أخرنا عنهم العذاب} عذاب الآخرة {إلى أمة} إلى جماعة من الأوقات، والمعنى: إلى حين معلوم {معدودة} معلومة {ليقولن ما يحبسه} ما يمنعه من النزول؟ استعجالا له على وجه التكذيب والاستهزاء {ألا يوم يأتيهم} العذاب {ليس} العذاب {مصروفا عنهم وحاق بهم} وأحاط بهم {ما كانوا به يستهزؤون} العذاب الذي كانوا به يستعجلون، وإنما وضع {يستهزءون} موضع يستعجلون لأن استعجالهم كان على وجه الاستهزاء.
- {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة} نعمة من صحة وأمن وجدة([6]) {ثم نزعناها منه} ثم سلبناه تلك النعمة {إنه ليئوس} شديد اليأس من أن يعود إليه مثل تلك النعمة الـمسلوبة {كفور} عظيم الكفران لما سلف له من التقلب في نعمة الله نساء له.
([1]) مر الكلام في {الر} في أول سورة يونس أنه تعديد للحروف على طريق التحدي.
([2]) فرائد الدر – أي: اللؤلؤ – كبارها. وتفصيل القلائد بالفرائد: إبانة إحدى الدرتين عن الأخرى حتى يكن بينهما فرجة.
([3]) أي: بالدخول في الإسلام، وليس بقول: أستغفر الله وأنتم على شرككم.
([5]) الازورار عن الشيء: العدول عنه والانحراف والإعراض.
([6]) الجدة: الغنى، والجدة بكسر الجيم وضمها: الرزق.
([7]) كلاهما بمعنى المتكبر، وقيل: الأشر أشد البطر، والبطر في الأصل الطغيان بالنعمة أو عندها، واستعمل بمعنى التكبر.
