تفسير سورة يونس من الآية واحد وتسعين إلى مئة
- تفسير سورة يونس من الآية واحد وتسعين إلى مئة
آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون (92) ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (93) فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين (95) إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون (96) ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم (97) فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين (98) ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (99) وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون (100) - {آلآن} أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين أدركك الغرق وأيست من نفسك {وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} من الضالين المضلين عن الإيمان.
- {فاليوم ننجيك} نلقيك بنجوة([1]) من الأرض، فرماه الماء إلى الساحل كأنه ثور {ببدنك} لا روح فيك وإنما ببدنك كاملا سويا لم يتغير {لتكون لمن خلفك ءاية} لمن وراءك من الناس علامة، وهم بنو إسرائيل، وكان في أنفسهم أن فرعون أعظم شأنا من أن يغرق، وقيل: أخبرهم موسى بهلاكه فلم يصدقوه، فألقاه الله على الساحل حتى عاينوه، وقيل: لمن يأتي بعدك من القرون {وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون} [أي فعلنا ذلك بفرعون مع تكبره وإسرافه ودعواه الإلٰهية، فنحن على إهلاك هؤلاء المشركين الذين هم دونه لقادرون، ولو فكروا لعلموا ذلك، لكنهم غافلون].
- {ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق} منزلا صالحا مرضيا، وهو مصر والشام {ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا} في دينهم {حتى جاءهم العلم} التوراة، واختلفوا في تأويلها، أو المراد العلم بحمد ﷺ [قيل: فما اختلفوا في نبوة محمد إلى أن جاءهم هو فحينئذ كفر بعضهم به وءامن بعضهم] {إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} يميز الـمحق من الـمبطل، ويجزي كلا جزاءه.
- {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك} لما قدم ذكر بني إسرائيل وهم قراء الكتاب، ووصفهم بأن العلم قد جاءهم، لأن أمر رسول الله ﷺ مكتوب في التوراة والإنجيل، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، أراد أن يؤكد علمهم بصحة القرءان وبصحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ويبالغ في ذلك، والمراد وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إلى رسول الله ﷺ لا وصف رسول الله ﷺ بالشك فيه {لقد جاءك الحق من ربك} ثبت عندك بالآيات الواضحة والبراهين اللائحة أن ما أتاك هو الحق الذي لا مجال فيه للشك {فلا تكونن من الممترين} الشاكين، [وهو] لزيادة التثبيت والعصمة، ولذلك قال عليه السلام عند نزوله: «لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق» أو خوطب رسول الله ﷺ والمراد أمته.
- {ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين} فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء الـمرية عنك والتكذيب بآيات الله.
- {إن الذين حقت عليهم كلمت ربك} ثبت عليهم [حكم] الله [وقضاؤه] الذي كتبه في اللوح، وأخبر به الملائكة أنهم يموتون كفارا {لا يؤمنون}.
- {ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} أي عند اليأس فيؤمنون ولا ينفعهم، أو عند القيامة ولا يقبل منهم.
- {فلولا} فهلا {كانت قرية} من القرى التي أهكلناها {ءامنت فنفعها إيمانها} بأن يقبل الله منها لوقوعه في وقت الاختبار {إلا قوم يونس} استثناء منقطع، أي ولكن قوم يونس {لما ءامنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي} [الذي وعدهم به يونس عليه السلام أنه ينزل بهم إن لم يؤمنوا] {في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} إلى ءاجالهم. روي أن يونس عليه السلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه، فذهب عنهم مغاضبا [لهم]، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم وأظهروا الإيمان والتوبة فرحمهم وكشف عنهم.
- {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم} على وجه الإحاطة والشمول {جميعا} مجتمعين على الإيمان مطبقين عليه لا يختلفون فيه، أخبر عن كمال قدرته ونفوذ مشيئته أنه لو شاء لآمن من في الأرض كلهم، ولكنه شاء أن يؤمن به من علم منه اختيار الإيمان به، وشاء الكفر ممن علم أنه يختار الكفر ولا يؤمن به، [والمعنى] أن لله تعالى لطفا لو أعطاهم لآمنوا كلهم عن اختيار، ولكن علم منهم أنهم لا يؤمنون فلم يعطهم ذلك، وهو التوفيق {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} لا تملك أنت يا محمد أن تكرههم على الإيمان، لأنه يكون بالتصديق والإقرار لا يمكن الإكراه على التصديق.
{وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله} بمشيئته، أو بتوفيقه وتسهيله {ويجعل الرجس} العذاب، أو السخط {على الذين لا يعقلون} لا ينتفعون بعقولهم.
([1]) النجوة والنجاة: المكان المرتفع الذي تظن أنه نجاؤك لا يعلوه السيل.
