تفسير سورة يونس من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
- تفسير سورة يونس من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون (71) فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين (72) فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين (74) ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (75) فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين (76) قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون (77) قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين (78) وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم (79) فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (80) - {واتل عليهم} واقرأ عليهم {نبأ نوح} خبره مع قومه {إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم} عظم وثقل {مقامي} مكاني يعني نفسه، أو قيامي ومكثي بين أظهركم ألف سنة إلا خمسين عاما {وتذكيري بآيات الله} هم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم ليكون مكانهم بينا وكلامهم مسموعا {فعلى الله توكلت} أي فوضت أمري إليه {فأجمعوا أمركم} من: أجمع الأمر: إذا نواه وعزم عليه {وشركاءكم} أي فأجمعوا أمركم مع شركائكم {ثم لا يكن أمركم عليكم غمة} أي غما عليكم وهما {ثم اقضوا إلي} ذلك الأمر الذي تريدون بي، أي أدوا إلي ما هو حق عندكم من هلاكي، كما يقضي الرجل غريمه، أو اصنعوا ما أمكنكم {ولا تنظرون} ولا تمهلون.
- {فإن توليتم} فإن أعرضتم عن تذكيري صحي {فما سألتكم من أجر} ففاتني ذلك بتوليكم {إن أجري إلا على الله} وهو الثواب الذي يثيبني به في الآخرة {وأمرت أن أكون من المسلمين} من المستسلمين لأوامره ونواهيه.
- {فكذبوه} فداموا على تكذيبه {فنجيناه} من الغرق {ومن معه في الفلك} في السفينة {وجعلناهم خلائف} يخلفون الهالكين بالغرق {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} هو تعظيم لما جرى عليهم، وتحذير لمن أنذرهم رسول الله ﷺ عن مثله، وتسلية له.
- {ثم بعثنا من بعده} من بعد نوح عليه السلام {رسلا إلى قومهم} هودا وصالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا {فجاؤوهم بالبينات} بالحجج الواضحة الـمثبتة لدعواهم {فما كانوا ليؤمنوا} فأصروا على الكفر {بما كذبوا به من قبل} من قبل مجيئهم، يريد أنهم كانوا قبل بعثة الرسل أهل جاهلية مكذبين بالحق، فما وقع فصل بين حالتيهم بعد بعثة الرسل وقبلها كأن لم يبعث إليهم أحد {كذلك نطبع} مثل ذلك الطبع نختم {على قلوب المعتدين} المجاوزين الحد في التكذيب.
- {ثم بعثنا من بعدهم} من بعد الرسل([1]) {موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا} بالآيات التسع {فاستكبروا} عن قبولها، وأعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ربهم بعد تبينها، ويتعظموا عن قبولها {وكانوا قوما مجرمين} كفارا ذوي ءاثام عظام، فلذلك استكبروا عنها واجترأوا على ردها.
- {فلما جاءهم الحق من عندنا} فلما عرفوا أنه هو الحق وأنه من عند الله {قالوا} لحبهم الشهوات {إن هذا لسحر مبين} وهم يعلمون أن الحق أبعد شيء من السحر.
- {قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم} هو إنكار [وتوبيخ، أي أتقولون هذا للحق لـما جاءكم]، ثم استأنف إنكارا ءاخر فقال: {أسحر هذا ولا يفلح الساحرون} أي لا يظفر [الساحرون في الدنيا ولا في الآخرة].
- {قالوا أجئتنا لتلفتنا} لتصرفنا {عما وجدنا عليه ءاباءنا} من عبادة الأصنام([2])، أو عبادة فرعون {وتكون لكما الكبرياء} أي الـملك {في الأرض} أرض مصر {وما نحن لكما بمؤمنين} بمصدقين فيما جئتما به.
{وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم} [مثله في المهارة أو أقوى منه، وإنما قاله لـما رأى العصا واليد البيضاء واعتقد أنهما سحر].
([2]) قيل: كانت لفرعون أصنام صغار صنعها لهم وأمرهم بعبادتها.
