تفسير سورة التوبة من الآية مئة وأحد عشر إلى مئة وعشرين
- تفسير سورة التوبة من الآية مئة وأحد عشر إلى مئة وعشرين
إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم (111) التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين (112) ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113) وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم (114) وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم (115) إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (116) لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم (117) وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم (118) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (119) ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) - {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} مثل الله إثابتهم بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله بالشراء {يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون} تارة يقتلون العدو، وطورا يقتلهم العدو فيقتلون {وعدا عليه} وعدهم بذلك وعدا {حقا} أخبر بأن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت قد أثبته {في التوراة والإنجيل والقرءان} وهو دليل على أن أهل كل ملة أمروا بالقتال ووعدوا عليه، ثم قال: {ومن أوفى بعهده من الله} لأن إخلاف الميعاد قبيح لا يقدم عليه الكريم منا، فكيف بأكرم الأكرمين، ولا ترى ترغيبا في الجهاد أحسن منه وأبلغ {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به} فافرحوا غاية الفرح فإنكم تبيعون فانيا بباق {وذلك هو الفوز العظيم}.
- {التائبون} يعني المؤمنين المذكورين {العابدون} الذين عبدوا الله وحده وأخلصوا له العبادة {الحامدون} على نعمة الإسلام {السائحون} الصائمون، لقوله عليه السلام: «سياحة أمتي الصيام»، أو طلبة العلم لأنهم يسيحون في الأرض يطلبونه في مظانه {الراكعون الساجدون} المحافظون على الصلوات {الآمرون بالمعروف} بالإيمان والطاعة {والناهون عن المنكر} عن الشرك والمعاصي {والحافظون لحدود الله} أوامره ونواهيه {وبشر المؤمنين} المتصفين بهذه الصفات.
- {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} ما صح له الاستغفار في حكم الله وحكمته([1]) {من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} من بعد ما ظهر لهم أنهم ماتوا على الشرك.
ثم ذكر عذر إبراهيم فقال:
- {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} أي وعد أبوه إياه أن يسلم، أو وعد هو أباه أن يستغفر، ومعنى استغفاره سؤاله إعطاء الإسلام الذي به يغفر له {فلما تبين} من جهة الوحي {له} لإبراهيم {أنه} أن أباه {عدو لله} بأن يموت كافرا وانقطع رجاؤه عنه {تبرأ منه} وقطع استغفاره {إن إبراهيم لأواه} [هو الرحيم] {حليم} هو الصبور على البلاء الصفوح عن الأذى.
- {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} ما أمر الله باتقائه واجتنابه، كالاستغفار للمشركين وغيره مما نهى عنه وبين أنه محظور، لا يؤاخذ به عباده الذين هداهم للإسلام ولا يخذلهم إلا إذا أقدموا عليه بعد بيان حظره وعلمهم بأنه واجب الاجتناب، وأما قبل العلم والبيان فلا، وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين، والمراد بـ{ما يتقون} ما يجب اتقاؤه للنهي {إن الله بكل شيء عليم}.
- {إن الله له ملك السماوات والأرض} [وهو لا يتجمل بوجود مملوكاته، ولا يلحقه نقص بعد مخلوقاته] {يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} [وإنما هو الذي يملك أموركم ويجريها على ما يصلحكم].
- {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار} فيه بعث للمؤمنين على التوبة وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار حتى النبي ﷺ والمهاجرين والأنصار {الذين اتبعوه في ساعة العسرة} في غزوة تبوك، ومعناه في وقتها، وكانوا في عسرة من الظهر([2]) – يعتقب العشرة على بعير واحد- ومن الزاد حتى اقتسم التمرة اثنان، ومن الجدب والقحط {من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم} عن الثبات على الإيمان، أو عن اتباع الرسول في تلك الغزوة والخروج معه {ثم تاب عليهم} تكرير للتوكيد {إنه بهم رؤوف رحيم}.
- {وعلى الثلاثة} وتاب على الثلاثة {الذين خلفوا} عن الغزو {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} أي مع سعتها، وهو مثل للحيرة في أمرهم، كأنهم لا يجدون فيها مكانا يقرون فيه قلقا وجزعا {وضاقت عليهم أنفسهم} قلوبهم لا يسعها أنس ولا سرور، لأنها خرجت من فرط الوحشة والغم {وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه} وعلموا ألا ملجأ من سخط الله إلا إلى استغفاره {ثم تاب عليهم} بعد خمسين يوما {ليتوبوا} ليكونوا من جملة التوابين {إن الله هو التواب الرحيم} التوبة النصوح أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة هؤلاء الثلاثة، [وقيل: النصوح: الصادقة، وهي: أن يتوب من الذنب ولا يعود إليه، وأما غير النصوح فهي أن يعود إلى الذنب بعد أن تاب منه. فمن تاب من ذنب ثم عاد إليه لم تنتقض التوبة التي تابها، ثم إن تاب من المرة الثانية قبلت توبته، وهكذا كلما عاد إلى الذنب ثم جدد التوبة فالتي تاب منها تمحى كما جاء ذلك في الخبر الصحيح عن النبي ﷺ: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». ثم إن شرط صحة التوبة: الندم بالقلب، والإقلاع والإضمار على ألا يعود، وإن كانت المعصية تتعلق بحق بني ءادم كالضرب بغير حق والشتم والغيبة إذا بلغت المغتاب وأكل مال الغير ظلما فلا بد من الخروج من الـمظلمة إما برد المال أو التمكين من القصاص أو استرضاء المظلوم].
- {يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} في إيمانهم دون المنافقين.
([1]) لا يصح لهم ذلك أي لا ينبغي ولا يجوز الاستغفار لمن علمنا أنه مات على الكفر وقد علمنا أن الله تعالى قضى أن لا يغفر لمشرك، فلا يجوز لأحد أن يسأل الله تعالى ما قد علم أنه قضى وأخبر أنه لا يفعله، قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48]، وقال أيضا: {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم} [محمد: 34].
- تفسير سورة التوبة من الآية مئة وأحد عشر إلى مئة وعشرين
