تفسير سورة التوبة من الآية واحد وخمسين إلى ستين
- تفسير سورة التوبة من الآية واحد وخمسين إلى ستين
قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون (51) قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون (52) قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين (53) وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54) فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (55) ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون (56) لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون (57) ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون (58) ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59) إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم (60) - {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} أي قضى من خير أو شر {هو مولانا} الذي يتولانا ونتولاه([1]) {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} وحق المؤمنين ألا يتوكلوا على غير الله.
- {قل هل تربصون بنا} تنتظرون بنا {إلا إحدى الحسنيين} وهما النصرة والشهادة {ونحن نتربص بكم} إحدى السؤأيين([2]) إما {أن يصيبكم الله بعذاب من عنده} وهو قارعة من السماء كما نزلت على عاد وثمود {أو} بعذاب {بأيدينا} وهو القتل على الكفر {فتربصوا} بنا ما ذكرنا {إنا معكم متربصون} ما هو عاقبتكم.
- {قل أنفقوا} في وجوه البر {طوعا أو كرها} طائعين أو مكرهين {لن يتقبل منكم} أنفقتم طوعا أو كرها {إنكم كنتم قوما فاسقين} متمردين عاتين.
- {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا} وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم {بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى} جمع كسلان {ولا ينفقون إلا وهم كارهون} لأنهم لا يريدون بهما وجه الله تعالى [لأنهم كفار لا يرجون بهما ثوابا ولا يخافون بالتفريط فيهما عقابا].
- {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا} الإعجاب بالشيء أن تسر به سرور راض به متعجب من حسنه، والمعنى: فلا تستحسن ما أوتوا من زينة الدنيا، فإن الله إنما أعطاهم ما أعطاهم ليعذبهم بالمصائب فيها، أو بالإنفاق في أبواب الخير وهم كارهن {وتزهق أنفسهم} وتخرج أرواحهم، وأصل الزهوق الخروج بصعوبة {وهم كافرون} [فيعذبهم في الآخرة أشد العذاب].
- {ويحلفون بالله إنهم لمنكم} لمن جملة المسلمين {وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون} يخافون القتل وما يفعل بالمشركين، فيتظاهرون بالإسلام تقية.
- {لو يجدون ملجأ} مكانا يلجأون إليه متحصنين من رأس جبل أو قلعة أو جزيرة {أو مغارات} أو غيرانا([3]) {أو مدخلا} أو نفقا يندسون فيه {لولوا إليه} لأقبلوا نحوه {وهم يجمحون} يسرعون إسراعا لا يردهم شيء.
- {ومنهم} ومن المنافقين {من يلمزك في الصدقات} يعيبك في قسمة الصدقات ويطعن عليك {فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} وصفهم بأن رضاهم وسخطهم لأنفسهم لا للدين وما فيه صلاح أهله، لأنه عليه الصلاة والسلام استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير الغنائم عليهم فضجر المنافقون منه.
- {ولو أنهم رضوا ما ءاتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} ولو أنهم رضوا لكان خيرا لهم، والمعنى: ولو أنهم رضوا ما أصابهم به الرسول من الغنيمة وطابت به نفوسهم – وإن قل نصيبهم – [لكان خيرا لهم].
{إنما الصدقات للفقراء والمساكين} قصر جنس الصدقات على الأصناف المعدودة، أي هي مختصة بهم لا تتجاوز إلى غيرهم {والعاملين عليها} هم السعاة الذين يقبضونها([4]) {والمؤلفة قلوبهم} على الإسلام، أشراف من العرب كان رسول الله ﷺ يتألفهم على أن يسلموا([5])، وقوم منهم أسلموا فيعطيهم تقريرا لهم على الإسلام [أو ليسلم نظراؤهم أو أتباعهم] {وفي الرقاب} هم المكاتبون يعانون منها {والغارمين} الذين ركبتهم الديون {وفي سبيل الله} فقراء الغزاة، أو الحجيج الـمنقطع بهم {وابن السبيل} المسافر المنقطع عن ماله {فريضة من الله} معناه فرض الله الصدقات لهم {والله عليم} بالمصلحة {حكيم} في القسمة، وإنما وقعت هذه الآية حسما لأطماعهم [أي المنافقين] وإشعارا بأنهم بعداء عنها وعن مصارفها.
([1]) أي: هو ناصرنا وحافظنا وأولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة، فحقنا أن نرضى بما يصدر من جهته. ومعنى من جهته: ما يقدره لنا وييسره لنا. وليست الجهة هنا بمعنى المكان – وألا نتوكل على غيره.
([2]) مثنى السوأى: وهي ضد الحسنى.
([4]) بعص الناس يعطي زكاته لشخص ويقول له: أنت وزع، فيعتبر نفسه جهلا من العاملين عليها فيأخذ لنفسه من هذا المال باسم العاملين وليس له ذلك، أما إن كان فقيرا وأعطاه صاحب الزكاة باسم الفقر يأخذ، ولكن لا يقتطع هو لنفسه شيئا بدون علم صاحب المال.
([5]) ولا يدخل هؤلاء في المذهب الشافعي الآن في دفع الزكاة لهم.
- تفسير سورة التوبة من الآية واحد وخمسين إلى ستين
