تفسير سورة التوبة من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
- تفسير سورة التوبة من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون (81) فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (82) فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين (83) ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون (84) ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (85) وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين (86) رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (87) لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون (88) أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم (89) وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم (90) - {فرح المخلفون} المنافقون الذين استأذنوا رسول الله ﷺ فأذن لهم وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك، أو الذين خلفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان {بمقعدهم} بقعودهم عن الغزو {خلاف رسول الله} مخالفة له {وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} لم يفعلوا ما فعله المؤمنون من بذل أموالهم وأرواحهم في سبيل الله، وكيف لا يكرهونه [وليس] فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان وداعي الإيقان {وقالوا لا تنفروا في الحر} قال بعضهم لبعض، أو قالوا للمؤمنين تثبيطا([1]) {قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون} استجهال لهم، لأن من تصون من مشقة ساعة فوقع بسبب ذلك التصون في مشقة الأبد كان أجهل من كل جاهل.
- {فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا} أي فيضحكون قليلا على فرحهم بتخلفهم في الدنيا ويبكون كثيرا جزاء في العقبى {جزاء بما كانوا يكسبون} من النفاق.
- {فإن رجعك الله} ردك من تبوك {إلى طائفة منهم} لأن منهم من تاب من النفاق، ومهم من هلك {فاستأذنوك للخروج} إلى غزوة بعد غزوة تبوك {فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة} أول ما دعيتم إلى غزوة تبوك {فاقعدوا مع الخالفين} مع من تخلف بعد.
وسأل ابن عبد الله بن أبي – وكان مؤمنا – أن يكفن النبي ﷺ أباه في قميصه ويصلي عليه فقبل([2]) [وكان فيما روي يصلي على المنافقين الذين لم يظهر له نفاقهم إذا ماتوا ويقوم على قبورهم بسبب ما يظهرونه من الإسلام، فإنهم كانوا يتلفظون بكلمتي الشهادة، ويصلون ويصومون، فبنى الأمر على ما ظهر من أقوالهم وأفعالهم، ووكل سرائرهم([3]) إلى الله تعالى، ولم يزل على ذلك حتى وقعت واقعة عبد الله بن أبي]، فنزل:
- {ولا تصل على أحد منهم} من المنافقين، يعني صلاة الجنازة {مات أبدا} وكان عليه الصلاة والسلام إذا دفن الميت [الذي هو بحسب الظاهر مسلم] وقف على قبره ودعا له، فقيل: {ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون} تعليل للنهي، أي أنهم ليسوا بأهل للصلاة عليهم، لأنهم كفروا بالله ورسوله.
- {ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} التكرير للمبالغة والتأكيد، وأن يكون على بال من المخاطب لا ينساه، وأن يعتقد أنه مهم.
- {وإذا أنزلت سورة} يجوز أن يراد سورة بتمامها، وأن يراد بعضا، كما يقع القرءان والكتاب على كله وعلى بعضه {أن ءامنوا بالله} بأن ءامنوا {وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم} ذوو الفضل والسعة {وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين} مع الذين لهم عذر في التخلف كالـمرضى والزمنى.
- {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} النساء جمع خالفة {وطبع على قلوبهم} ختم عليها لاختيارهم الكفر والنفاق {فهم لا يفقهون} ما في الجهاد من الفوز والسعادة، وما في التخلف من الهلاك والشقاوة.
- {لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم} إن تخلف هؤلاء فقد نهض إلى الغزو من هو خير منهم {وأولئك لهم الخيرات} تناول منافع الدارين لإطلاق اللفظ {وأولئك هم المفلحون} الفائزون بكل مطلوب.
- {أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم} قوله: {أعد} دليل على أنها مخلوقة [الآن].
{وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم} هو من: عذر في الأمر: إذا قصر فيه وتوانى، وحقيقته أن يوهم أن له عذرا ولا عذر له، قيل: هم أسد وغطفان قالوا: إن لنا عيالا وإن بنا جهدا، فأذن لنا في التخلف {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} هم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا، فظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان {سيصيب الذين كفروا منهم} من الأعراب {عذاب أليم} في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار.
([2]) في ذلك الوقت، الله تعالى ما أعلمه أنه مات على الكفر، إنما بعد أن صلى عليه نزلت الآية أنه ما زال على الكفر. ولا يقال إنه صلى عليه وهو يعلم أنه مات كافرا! الأنبياء والأولياء لا يعلمون إلا ما أعلمهم الله، الله تعالى وحده هو الذي يعلم كل شيء.
- تفسير سورة التوبة من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
