تفسير سورة التوبة من الآية واحد وتسعين إلى مئة
- تفسير سورة التوبة من الآية واحد وتسعين إلى مئة
ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (91) ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (92) إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون (93) يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (94) سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون (95) يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين (96) الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم (97) ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم (98) ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم (99) والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (100) - {ليس على الضعفاء} الهرمى والزمنى {ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون} هم الفقراء من مزينة وجهينة وبني عذرة {حرج} إثم وضيق في التأخر {إذا نصحوا لله ورسوله} بأن ءامنوا في السر والعلن، وأطاعوا كما يفعل الناصح بصاحبه {ما على المحسنين} المعذورين الناصحين {من سبيل} أي لا جناح عليهم ولا طريق للعتاب عليهم {والله غفور} يغفر تخلفهم {رحيم} بهم.
- {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} لتعطيهم الحمولة([1]) [ليذهبوا بها معك إلى الجهاد] {قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع} تسيل {حزنا ألا يجدوا ما ينفقون} [يبكون تأسفا على فوت صحبتك وتخلفهم عنك] لئلا يجدوا ما ينفقون، والـمستحملون أبو موسى الأشعري وأصحابه.
- {إنما السبيل} [أي سبيل اللوم والعتاب والعقاب] {على الذين يستأذنونك} في التخلف {وهم أغنياء} كأنه قيل: ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء؟ فقيل {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} بالانتظام في جملة الخوالف {وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون} [ومعنى التكرير المبالغة في التقرير].
- {يعتذرون إليكم} يقيمون لأنفسهم عذرا باطلا {إذا رجعتم إليهم} من هذه السفرة {قل لا تعتذروا} بالباطل {لن نؤمن لكم} لن نصدقكم {قد نبأنا الله من أخباركم} لأنه تعالى إذا أوحى إلى رسوله الإعلام بأخبارهم وما في ضمائرهم لم يستقم مع ذلك تصديقهم في معاذيرهم {وسيرى الله عملكم ورسوله} أتنيبون([2]) أم تثبتون على كفركم {ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة} تردون إليه وهو عالـم كل سر وعلانية {فينبئكم بما كنتم تعملون} فيجازيكم على حسب ذلك.
- {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم} لتتركوهم ولا توبخوهم {فأعرضوا عنهم} فأعطوهم طلبتهم {إنهم رجس} تعليل لترك معاتبتهم، أي أن المعاتبة لا تنفع فيهم ولا تصلحهم، لأنهم أرجاس لا سبيل إلى تطهيرهم {ومأواهم جهنم} ومصيرهم النار، فلا تتكلفوا عتابهم {جزاء بما كانوا يكسبون} يجزون جزاء كسبهم.
- {يحلفون لكم لترضوا عنهم} غرضهم بالحلف بالله طلب رضاكم لينفعهم ذلك في دنياهم {فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} فإن رضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كان الله ساخطا عليهم وكانوا عرضة لعاجل عقوبته وءاجلها.
- {الأعراب} أهل البدو {أشد كفرا ونفاقا} من أهل الحضر، لجفائهم وقسوتهم وبعدهم عن العلم والعلماء {وأجدر ألا يعلموا} وأحق بألا يعلموا {حدود ما أنزل الله على رسوله} حدود الدين وما أنزل الله من الشرائع والأحكام {والله عليم} بأحوالهم {حكيم} في إمهالهم.
- {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق} يتصدق {مغرما} غرامة وخسرانا، لأنه لا ينفق إلا تقية من المسلمين ورياء، لا لوجه الله وابتغاء الـمثوبة عنده {ويتربص بكم الدوائر} دوائر الزمان وتبدل الأحوال {عليهم دائرة السوء} عليهم تدور المصائب والحروب التي يتوقعون وقوعها في المسلمين {والله سميع} لما يقولون إذا توجهت عليهم الصدقة {عليم} بما يضمرون.
- {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق} في الجهاد والصدقات {قربات} أسبابا للقربة {عند الله وصلوات الرسول} دعاءه لأنه عليه الصلاة والسلام كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم {ألا إنها} أي النفقة أو صلوات الرسول {قربة لهم} شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات {سيدخلهم الله في رحمته} أي جنته {إن الله غفور} يستر عيب الـمخل {رحيم} يقبل جهد الـمقل.
{والسابقون الأولون من المهاجرين} تبيين لهم، وهم الذين صلوا إلى القبلتين، أو الذين شهدوا بدرا، أو بيعة الرضوان {والأنصار} وهم أهل بيعة العقبة الأولى، وكانوا سبعة نفر، وأهل العقبة الثانية وكانوا سبعين {والذين اتبعوهم بإحسان} من المهاجرين والأنصار {رضي الله عنهم} بأعمالهم الحسنة {ورضوا عنه} بما أفاض عليهم من نعمته الدينية والدنيوية([3]) {وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم}.
([1]) الحمولة بفتح الحاء: الإبل التي تحمل، وكل ما يحتمل عليه الناس من الدواب سواء كانت عليه الأحمال أو لم تكن كالركوبة.
([3]) يسلمون لله تسليما كاملا، مهما أصابهم من المصائب فإنهم لا يخرجون عن الرضا عن الله، الرضا عن الله مرتبة عالية لا يصل إليها إلا القليل من عباده.
- تفسير سورة التوبة من الآية واحد وتسعين إلى مئة
