تفسير سورة التوبة من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
- تفسير سورة التوبة من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (41) لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون (42) عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (43) لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين (44) إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون (45) ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين (46) لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين (47) لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون (48) ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (49) إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون (50) - {انفروا خفافا} في النفور لنشاطكم له {وثقالا} عنه لمشقته عليكم، أو ركبانا ومشاة، أو شبابا وشيوخا {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم} إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بأحدهما على حسب الحال والحاجة {في سبيل الله ذلكم} الجهاد {خير لكم} من تركه {إن كنتم تعلمون} كون ذلك خيرا فبادروا إليه.
ونزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين:
- {لو كان عرضا} لو كان ما دعوا إليه مغنما {قريبا} سهل المأخذ {وسفرا قاصدا} وسطا مقاربا {لاتبعوك} لوافقوك في الخروج {ولكن بعدت عليهم الشقة} الـمسافة الشاطة([1]) الشاقة {وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم} من دلائل النبوة، لأنه أخبر بما سيكون بعد القفول([2])، أي سيحلفون – يعني المتخلفين – عند رجوعك من غزوة تبوك [قائلين ذلك]، فقالوا كما أخبر {يهلكون أنفسهم} بالحلف الكاذب {والله يعلم إنهم لكاذبون} فيما يقولون.
- {عفا الله عنك} كناية عن الزلة لأن العفو رادف لها، وهو من لطف العتاب بتصدر العفو في الخطاب، وفيه دلالة فضله ﷺ على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حيث لم يذكر مثله لسائر الأنبياء عليهم السلام {لم أذنت لهم} بيان لما كني عنه بالعفو، ومعناه: ما لك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك واعتلوا لك بعللهم، وهلا استأنيت([3]) بالإذن {حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} يتبين لك الصادق في العذر من الكاذب فيه.
- {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا} ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا [وكان الخلص من المهاجرين والأنصار يقولون: لنجاهدن معه بأموالنا وأنفسنا، وقيل: معناه لا يستأذنك المؤمنون في الخروج ولا القعود كراهة أن يجاهدوا، بل إذا أمرت بشيء ابتدروا إليه] {بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين} عدة لهم بأجزل الثواب.
- {إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر} يعني المنافقين، وكانوا تسعة وثلاثين رجلا {وارتابت قلوبهم} شكوا في دينهم واضطربوا في عقيدتهم {فهم في ريبهم يترددون} يتحيرون، لأن التردد ديدن المتحير([4])، كما أن الثبات ديدن المتبصر.
- {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له} للخروج، أو للجهاد {عدة} أهبة لأنهم كانوا مياسير {ولكن كره الله انبعاثهم} نهوضهم للخروج، [أي لم يرد خروجهم] {فثبطهم} فكسلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث {وقيل اقعدوا} قال بعضهم لبعض، أو قاله الرسول ﷺ غضبا عليهم، [أو هو تمثيل لإلقاء الله كراهة الخروج في قلوبهم، أي قدر الله تعالى ذلك] {مع القاعدين} هو ذم لهم وإلحاق بالنساء والصبيان والزمنى الذين شأنهم القعود في البيوت.
- {لو خرجوا فيكم ما زادوكم} بخروجهم معكم {إلا خبالا} إلا فسادا وشرا {ولأوضعوا خلالكم} ولسعوا بينكم بالتضريب([5]) والنمائم وإفساد ذات البين {يبغونكم الفتنة} يطلبون أن يفتنوكم بأن يوقعوا الخلاف فيما بينكم ويفسدوا نياتكم في مغزاكم {وفيكم سماعون لهم} نمامون يسمعون حديثكم فيلقونه إليهم، [أو فيكم قوم يستمعون للمنافقين ويطيعونهم] {والله عليم بالظالمين} بالمنافقين.
- {لقد ابتغوا الفتنة} بصد الناس {من قبل} من قبل غزوة تبوك {وقلبوا لك الأمور} ودبروا لك الحيل والمكايد ودوروا الآراء في إبطال أمرك {حتى جاء الحق} وهو تأييدك ونصرك {وظهر أمر الله} وغلب دينه وعلا شرعه {وهم كارهون} على رغم منهم.
- {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} ولا توقعني في الفتنة، وهي الإثم بألا تأذن لي {ألا في الفتنة سقطوا} الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة التخلف {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} الآن، لأن أسباب الإحاطة معهم، أو تحيط بهم يوم القيامة.
{إن تصبك} في بعض الغزوات {حسنة} ظفر وغنيمة {تسؤهم وإن تصبك مصيبة} نكبة وشدة في بعضها نحو ما جرى يوم أحد {يقولوا قد أخذنا أمرنا} الذي نحن متسمون به من الحذر والتيقظ والعمل بالحزم {من قبل} من قبل ما وقع {ويتولوا} عن مقام التحدث بذلك إلى أهاليهم {وهم فرحون} مسرورون.
([2]) أي: بعد الرجوع من السفر.
- تفسير سورة التوبة من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
