تفسير سورة الأنفال من الآية واحد وسبعين إلى خمس وسبعين
- تفسير سورة الأنفال من الآية واحد وسبعين إلى خمس وسبعين
وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم (71) إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير (72) والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير (73) والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم (74) والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شىء عليم (75) - {وإن يريدوا} أي الأسرى {خيانتك} نكث ما بايعوك عليه من الإسلام بالردة أو منع ما ضمنوه من الفداء {فقد خانوا الله من قبل} في كفرهم به ونقض ما أخذ على كل عاقل من ميثاقه {فأمكن منهم} فأمكنك منهم، أي أظفرك بهم كما رأيتم يوم بدر، فسيمكن منهم إن أعادوا الخيانة {والله عليم} بالمآل {حكيم} فيما أمر في الحال.
- {إن الذين ءامنوا وهاجروا} من مكة حبا لله ورسوله {وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} هم المهاجرون {والذين ءاووا ونصروا} ءاووهم إلى ديارهم ونصروهم على أعدائهم، وهم الأنصار {أولئك بعضهم أولياء بعض} يتولى بعضهم بعضا في الميراث، وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة وبالنصرة دون ذوي القرابات حتى نسخ ذلك بقوله: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} [الأنفال: 75] وقيل: أراد به النصرة والـمعاونة {والذين ءامنوا ولم يهاجروا} من مكة {ما لكم من ولايتهم} من توليهم في الميراث {من شيء حتى يهاجروا} فكان لا يرث المؤمن الذي لم يهاجر ممن ءامن وهاجر {وإن استنصروكم} أي من أسلم ولم يهاجر {في الدين فعليكم النصر} إن وقع بينهم وبين الكفار قتال وطلبوا معونتكم فواجب عليكم أن تنصروهم على الكافرين {إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} فإنه لا يجوز لكم نصرهم عليهم لأنهم لا {والله بما تعملون بصير} تحذير عن تعدي حد الشرع.
- {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} ظاهره إثبات الموالاة بينهم، ومعناه نهي المسلمين عن موالاة الكفار وموارثتهم وإيجاب مباعدتهم ومصارمتهم([1]) وإن كانوا أقارب، وأن يتركوا يتوارثون بعضهم بعضا، ثم قال: {إلا تفعلوه} إلا تفعلوا ما أمرتكم به من تواصل المسلمين وتولي بعضهم بعضا حتى في التوراث تفضيلا لنسبة الإسلام على نسبة القرابة ولم تجعلوا قرابة الكفار كلا قرابة {تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة، لأن المسلمين ما لم يصيروا يدا واحدة على الشرك كان الشرك ظاهرا والفساد زائدا.
- {والذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا} لأنهم صدقوا إيمانهم وحققوه بتحصيل مقتضياته من هجرة الوطن ومفارقة الأهل والسكن والانسلاخ من المال والديار لأجل الدين والعقبى {لهم مغفرة ورزق كريم} لا منة فيه ولا تنغيص، ولا تكرار لأن هذه الآية واردة للثناء عليهم مع الموعد الكريم، والأولى للأمر بالتواصل.
- {والذين ءامنوا من بعد} يريد اللاحقين بعد السابقين إلى الهجرة {وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} جعلهم منهم تفضلا وترغيبا {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} وأولوا القرابات أولى بالتوارث، وهو نسخ للتوارث بالهجرة والنصرة {في كتاب الله} في حكمه وقسمته {إن الله بكل شيء عليم} فيقضي بين عباده بما شاء من أحكامه، قسم الناس أربعة أقسام: قسم ءامنوا وهاجروا، وقسم ءامنوا ونصروا، وقسم ءامنوا ولم يهاجروا، وقسم كفروا ولم يؤمنوا.
