تفسير سورة الأعراف من الآية مئة وواحد وخمسين إلى مئة وستين
- تفسير سورة الأعراف من الآية مئة وواحد وخمسين إلى مئة وستين
قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين (151) إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين (152) والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (153) ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون (154) واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين (155) واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون (156) الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون (157) قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (158) ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (159) وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (160) - {قال رب اغفر لي ولأخي} ليرضي أخاه وينفي الشماتة عنه بإشراكه معه في الدعاء {وأدخلنا في رحمتك} عصمتك في الدنيا وجنتك في الآخرة {وأنت أرحم الراحمين}.
- {إن الذين اتخذوا العجل} إلٰها {سينالهم غضب من ربهم} هو ما أمروا به من قتل أنفسهم توبة {وذلة في الحياة الدنيا} خروجهم من ديارهم، فالغربة تذل الأعناق {وكذلك نجزي المفترين} الكاذبين على الله.
- {والذين عملوا السيئات} من الكفر والمعاصي {ثم تابوا} رجعوا إلى الله {من بعدها وءامنوا} وأخلصوا الإيمان {إن ربك من بعدها} أي السيئات أو التوبة {لغفور} لستور عليهم محاء لما كان منهم {رحيم} منعم عليهم بالجنة.
- {ولما سكت عن موسى الغضب} سكن {أخذ الألواح} التي ألقاها {وفي نسختها} وفيما نسخ منها، أي كتب {هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون} [أي يخشون الله فيأخذون بهداه لينالوا رحمته].
- {واختار موسى قومه} من قومه {سبعين رجلا} اختار من اثني عشر سبطا([1]) من كل سبط فبلغوا اثنين وسبعين رجلا، فقال: ليتخلف منكم رجلان، فقعد كالب ويوشع {لميقاتنا} [للوقت الذي وقته الله تعالى لموسى عليه السلام ليأتي بسبعين على جبل الطور] لاعتذارهم عن عبادة العجل [وهو ميقات آخر غير ميقات المناجاة ونزول التوراة المذكور في قوله تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا}] {فلما أخذتهم الرجفة} الزلزلة الشديدة {قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل} بما كان منهم من عبادة العجل {وإياي} لقتلي القبطي([2]) {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} أتهلكنا عقوبة بما فعل الجهال منا وهم أصحاب العجل {إن هي إلا فتنتك} ابتلاؤك {تضل بها} بالفتنة {من تشاء} من علمت منهم اختيار الضلالة {وتهدي} بها {من تشاء} من علمت منهم اختيار الهدى {أنت ولينا} مولانا القائم بأمورنا {فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين} [معناه أن كل من سواك يتجاوز عن الذنب إما طلبا للثناء الجميل أو للثواب الجزيل أو لدفع ضرر، أما أنت فتغفر ذنوب عبادك لا لطلب عوض وغرض، بل لمحض الفضل والكرم، فوجب القطع بأنه تعالى خير الغافرين] ([3]).
- {واكتب لنا} وأثبت لنا واقسم {في هذه الدنيا حسنة} عافية وحياة طيبة وتوفيقا في الطاعة {وفي الآخرة} الجنة {إنا هدنا إليك} تبنا إليك، وهاد إليه يهود إذا رجع وتاب، والهود جمع هائد وهو التائب {قال عذابي} من صفته أني {أصيب به من أشاء} أي لا أعفو عنه {ورحمتي وسعت كل شيء} من صفة رحمتي أنها واسعة تبلغ كل شيء، ما من مسلم ولا كافر إلا وعليه أثر رحمتي في الدنيا {فسأكتبها} أي هذه الرحمة {للذين يتقون} الشرك من أمة محمد ﷺ {ويؤتون الزكاة} المفروضة {والذين هم بآياتنا} بجميع كتبنا {يؤمنون} لا يكفرون بشيء منها.
- {الذين يتبعون الرسول} الذي نوحي إليه كتابا مختصا به وهو القرءان {النبي} صاحب المعجزات {الأمي الذي يجدونه} يجد نعته أولئك الذين يتبعونه من بني إسرائيل {مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف} بخلع الأنداد وإنصاف العباد {وينهاهم عن المنكر} عبادة الأصنام وقطيعة الأرحام {ويحل لهم الطيبات} ما حرم عليهم([4]) من الأشياء الطيبة كالشحوم وغيرها، أو ما طاب في الشريعة {ويحرم عليهم الخبائث} ما يستخبث كالدم والميتة ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، أو ما خبث في الحكم كالربا والرشوة ونحوهما من المكاسب الخبيثة {ويضع عنهم إصرهم} هو الثقل الذي يأصر صاحبه أي يحبسه عن الحراك لثقله، والمراد التكاليف الصعبة كقتل النفس في توبتهم وقطع الأعضاء الخاطئة {والأغلال التي كانت عليهم} هي الأحكام الشاقة نحو بت القضاء بالقصاص عمدا كان أو خطأ من غير شرع الدية وقرض موضع النجاسة وإحراق الغنائم وظهور الذنوب على أبواب البيوت، وشبهت بالغل([5]) للزومها لزوم الغل {فالذين ءامنوا به} بمحمد ﷺ {وعزروه} وعظموه، {ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه} أي واتبعوا القرءان المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته {أولئك هم المفلحون} الفائزون بكل خير والناجون من كل شر.
- {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} بعث كل رسول إلى قومه خاصة، وبعث محمد ﷺ إلى كافة الإنس وكافة الجن {الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت} إذ لا يقدر على الإحياء والإماتة غيره {فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته} أي الكتب المنزلة {واتبعوه لعلكم تهتدون} الذي وجب الإيمان به هو هذا الشخص الموصوف بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته.
- {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق} يهدون الناس محقين {وبه يعدلون} وبالحق يعدلون بينهم في الحكم لا يجورون.
([1]) السبط من اليهود كالقبيلة من العرب، وهم الذين يرجعون إلى أب واحد.
([2]) هذا القبطي كان كافرا، ولكن موسى عليه السلام قتله قبل أن يؤذن له بذلك.
([3]) العباد يغفر بعضهم لبعض ما يصير بينهم من الإيذاء، هذا غفران العباد، إذا أسأت لشخص فسامحك يقال: غفر لك، وإذا إنسان أساء إليك فقلت له: غفرت لك، معناه لا أجازيك بالسيئة، أما محو الذنب فلا يكون إلا لله قال تعالى: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} [ءال عمران: 135].
([4]) أي: على الذين هادوا، قال تعالى: {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما} [الأنعام: 146].
([5]) الغل: طوق من حديد يجعل في العنق.
([6]) قد مر الكلام عليهما في سورة البقرة عند تفسير الآية (57).
- تفسير سورة الأعراف من الآية مئة وواحد وخمسين إلى مئة وستين
