تفسير سورة الأعراف من الآية مئة وواحد وثمانين إلى مئة وتسعين
- تفسير سورة الأعراف من الآية مئة وواحد وثمانين إلى مئة وتسعين
وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (181) والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (182) وأملي لهم إن كيدي متين (183) أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (184) أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (185) من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون (186) يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون (187) قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (188) هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين (189) فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون (190) - {وممن خلقنا} للجنة {أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} في أحكامهم، قيل: هم العلماء والدعاة إلى الدين، وفيه دلالة على أن إجماع كل عصر حجة([1]).
- {والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم} سنستدنيهم([2]) قليلا قليلا إلى ما يهلكهم {من حيث لا يعلمون} ما يراد بهم، وذلك أن يواتر الله نعمه عليهم مع انهماكهم في الغي، فكلما جدد الله عليهم نعمة ازدادوا بطرا وجددوا معصية، فيتدرجون في المعاصي بسبب ترادف النعم ظانين أن ترادف النعم أثرة([3]) من الله تعالى وتقريب، وإنما هو خذلان منه وتبعيد.
- {وأملي لهم} أمهلهم {إن كيدي متين} أخذي شديد([4])، سماه كيدا لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان.
ولما نسبوا النبي ﷺ إلى الجنون نزل:
- {أولم يتفكروا} [فيعلموا] {ما بصاحبهم} محمد عليه الصلاة والسلام {من جنة} جنون [وهم يعلمون تنزههه عنه، وسماه صاحبهم لأنه نبيهم يصحبهم ويخالطهم] ثم نفى عنه الجنون بقوله: {إن هو إلا نذير مبين} منذر([5]) من الله موضح إنذاره.
- {أولم ينظروا} نظر استدلال {في ملكوت السماوات والأرض} الملكوت: الـملك العظيم {وما خلق الله من شيء} وفيما خلق الله مما يقع عليه اسم الشيء من أجناس لا يحصرها العدد {وأن عسى} أولم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى {أن يكون قد اقترب أجلهم} ولعلهم يموتون عما قريب فيسارعوا إلى النظر وطلب الحق وما ينجيهم قبل مفاجأة الأجل وحلول العقاب {فبأي حديث بعده} بعد القرءان {يؤمنون} إذا لم يؤمنوا به.
- {من يضلل الله فلا هادي له} لا يهده أحد {ويذرهم في طغيانهم} كفرهم {يعمهون} يتحيرون.
ولما سألت اليهود أو قريش عن الساعة متى تكون؟ نزل:
- {يسألونك عن الساعة} سميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة، أو لسرعة حسابها {أيان} متى {مرساها} إرساؤها، والمعنى: متى يرسيها الله {قل إنما علمها عند ربي} علم وقت إرسائها عنده قد استأثر به لم يخبر به أحدا من ملك مقرب ولا نبي مرسل، ليكون ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية، كما أخفى الأجل الخاص وهو وقت الموت لذلك {لا يجليها لوقتها إلا هو} لا يظهر أمرها ولا يكشف خفاء علمها إلا هو وحده {ثقلت في السماوات والأرض} كل من أهلها من الملائكة والثقلين أهمه شأن الساعة ويتمنى أن يتجلى له علمها وشق عليه خفاؤها، لأن أهلها يخافون شدائدها وأهوالها {لا تأتيكم إلا بغتة} فجأة على غفلة منكم {يسألونك كأنك حفي عنها} كأنك عالم بها {قل إنما علمها عند الله} كرر للتأكيد {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أنه المختص بالعلم بها.
- {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله} هو إظهار للعبودية وبراءة عما يختص بالربوبية من علم الغيب، أي أنا عبد ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا دفع ضرر {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} لكانت حالي على خلاف ما هي عليه من استكثار الخير واجتناب السوء والـمضار حتى لا يمسني شيء منها {إن أنا إلا نذير وبشير} إن أنا إلا عبد أرسلت نذيرا وبشيرا وما من شأني أن أعلم الغيب {لقوم يؤمنون} لأن النذارة والبشارة إنما ينفعنا فيهم.
- {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} هي نفس ءادم عليه السلام {وجعل منها زوجها} حواء خلقها من جسد ءادم من ضلع من أضلاعه {ليسكن إليها} ليطمئن إليها ويميل {فلما تغشاها} جامعها {حملت حملا خفيفا} خف عليها ولم تلق منه ما يلقى بعض الحبالى من حملهن من الكرب والأذى ولم تستثقله كما يستثقلنه {فمرت به} فمضت به إلى وقت ميلاده، أو حملت حملا خفيفا يعني النطفة فمرت به فقامت به وقعدت {فلما أثقلت} حان وقت ثقل حملها {دعوا الله ربهما} دعا ءادم وحواء ربهما ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يدعى ويلتجأ إليه فقالا: {لئن ءاتيتنا صالحا} لئن وهبت لنا ولدا سويا قد صلح بدنه [لأن ءادم رأى حين أخذ الميثاق على ذريته جميع أولاده منهم السوي ومنهم غير السوي، ومنهم التقي ومنهم غير التقي فسألاه أن يكون هذا الولد سويا تقيا] {لنكونن من الشاكرين} لك [فأعطاهما الله ذلك فشكرا].
([1]) فيه إشارة أن إجماع المجتهدين حجة شرعية في كل عصر، لا يختص ذلك بالصحابة.
- تفسير سورة الأعراف من الآية مئة وواحد وثمانين إلى مئة وتسعين
