تفسير سورة الأنعام من الآية مئة وواحد وأربعين إلى مئة وخمسين
- تفسير سورة الأنعام من الآية مئة وواحد وأربعين إلى مئة وخمسين
وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (141) ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (142) ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين (143) ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (144) قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (145) وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون (146) فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين (147) سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148) قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149) قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون (150) - {وهو الذي أنشأ} خلق {جنات} من الكروم {معروشات} مسموكات مرفوعات {وغير معروشات} متروكات على وجه الأرض لم تعرش، يقال: عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكا تعطف عليه القضبان {والنخل والزرع مختلفا} في اللون والطعم والحجم والرائحة {أكله} ثمره الذي يؤكل {والزيتون والرمان متشابها} في اللون {وغير متشابه} في الطعم {كلوا من ثمره} من ثمر كل واحد، وفائدة {إذا أثمر} أن يعلم أن أول وقت الإباحة وقت إطلاع الشجر الثمر، ولا يـتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك {وآتوا حقه} عشره([1]) {يوم حصاده ولا تسرفوا} بإعطاء الكل وتضييع العيال {إنه لا يحب المسرفين} [المتجاوزين ما حد لهم، وقيل: الإسراف فيه: أكله من ثمره حتى لا يبقى منه شيء للزكاة].
- {ومن الأنعام حمولة وفرشا} الحمولة: الكبار التي تصلح للحمل، والفرش: الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض مثل الفرش {كلوا مما رزقكم الله} ما أحل الله لكم منها ولا تحرموها كما في الجاهلية {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} طرقه في التحليل والتحريم كفعل أهل الجاهلية {إنه لكم عدو مبين} فاتهموه على دينكم.
- {ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين} زوجين اثنين يريد الذكر والأنثى من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين، والهمزة في {قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} للإنكار، والمراد بالذكرين الذكر من الضأن والذكر من المعز، وبالأنثيين الأنثى من الضأن والأنثى من المعز، والمعنى إنكار أن [يكون حرم الله] من جنسي الغنم ضأنها معزها شيئا من نوعي ذكورها وإناثها، [أو] مما تحمل الإناث؛ وذلك أنهم كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارة وإناثها طورا وأولادها كيفما كانت ذكورا أو إناثا أو مختلطة تارة، وكانوا يقولون: قد حرمها الله، فأنكر ذلك عليهم {نبؤوني بعلم} أخبروني بأمر معلوم من جهة الله يدل على تحريم ما حرمتهم {إن كنتم صادقين} في أن الله حرمه.
- {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين} منهما {حرم أم الأنثيين} منهما {أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} أم ما تحمل إناثها {أم كنتم شهداء} أي بل أكنتم شهداء {إذ وصاكم الله بهذا} يعني أم شاهدتم ربكم حين أمركم بهذا التحريم، ولـما كانوا لا يؤمنون برسول الله وهم يقولون: الله حرم هذا الذي نحرمه تهكم بهم في قوله: {أم كنتم شهداء} لأنكم لا تؤمنون بالرسل {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا} فنسب إليه تحريم ما لم يحرم {ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} الذين في علمه أنهم يختمون على الكفر.
- {قل لا أجد في ما أوحي إلي} في ذلك الوقت، وفيه تنبيه على أن التحريم إنما يثبت بوحي الله وشرعه لا بهوى الأنفس {محرما} حيوانا حرم أكله {على طاعم يطعمه} على ءاكل يأكله {إلا أن يكون ميتة} إلا أن يكون الشيء الـمحرم ميتة {أو دما مسفوحا} مصبوبا سائلا، فلا يحرم الدم الذي في اللحم والكبد والطحال {أو لحم خنزير فإنه رجس} نجس {أو فسقا أهل لغير الله به} رفع الصوت على ذبحه باسم غير الله، وسمي بالفسق لتوغله في باب الفسق {فمن اضطر} فمن دعته الضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرمات {غير باغ ولا عاد} متجاوز قدر حاجته من تناوله {فإن ربك غفور رحيم} لا يؤاخذه.
- {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} ما له أصبع من دابة أو طائر، ويدخل فيه الإبل والنعام {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما} حرمنا عليهم لحم كل ذي ظفر وشحمه، وكل شيء منه، ولم يحرم من البقر والغنم إلا الشحوم {إلا ما حملت ظهورهما} إلا ما اشتمل على الظهور والجنوب من السحفة([2]) {أو الحوايا} أو ما اشتمل على الأمعاء {أو ما اختلط بعظم} وهو الألية أو المخ {ذلك جزيناهم ببغيهم} بسبب ظلمهم {وإنا لصادقون} فيما أخبرنا به.
- {فإن كذبوك} فيما أوحيت إليك من هذا {فقل ربكم ذو رحمة واسعة} بها يمهل المكذبين ولا يعاجلهم بالعقوبة {ولا يرد بأسه} عذابه مع سعة رحمته {عن القوم المجرمين} إذا جاء، فلا تغتر بسعة رحمته عن خوف نقمته.
- {سيقول الذين أشركوا} إخبار بما سوف يقولونه {لو شاء الله} ألا نشرك {ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} ولكن شاء، فهذا عذرنا {كذلك كذب الذين من قبلهم} أي كتكذيبهم إياك كان تكذيب المتقدمين رسلهم، وتشبثوا بمثل هذا فلم ينفعهم ذلك، إذ لم يقولوه عن اعتقاد بل قالوا ذلك استهزاء، ولأنهم جعلوا مشيئته حجة لهم على أنهم معذورون به وهذا مردود لا الإقرار بالمشيئة، {حتى ذاقوا بأسنا} حتى أنزلنا عليهم العذاب {قل هل عندكم من علم} من أمر معلوم يصح الاحتجاج به فيما قلتم {فتخرجوه لنا} فتظهروه {إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} تكذبون.
- {قل فلله الحجة البالغة} عليكم بأوامره ونواهيه، ولا حجة لكم على الله بمشيئته {فلو شاء} هدايتكم {لهداكم أجمعين}.
{قل هلم شهداءكم} هاتوا شهداءكم وقربوهم {الذين يشهدون أن الله حرم هذا} أي ما زعموه محرما {فإن شهدوا فلا تشهد معهم} فلا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم، لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم {ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا} فإن من كذب بآيات الله فهو متبع للهوى {والذين لا يؤمنون بالآخرة} هم المشركون {وهم بربهم يعدلون} يسوون الأصنام.
([1]) هذا عند الإمام أبي حنيفة، وأما عند الإمام الشافعي فما يجب فيه العشر أو نصفه على تفصيل فيه.
- تفسير سورة الأنعام من الآية مئة وواحد وأربعين إلى مئة وخمسين
