تفسير سورة المائدة من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
- تفسير سورة المائدة من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون (71) لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72) لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (73) أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74) ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون (75) قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم (76) قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (77) لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (78) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون (79) ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون (80) - {وحسبوا ألا تكون فتنة} وحسب بنو إسرائيل أنهم لا يصيبهم من الله عذاب بقتل الأنبياء وتكذيب الرسل {فعموا وصموا} فعموا عن الرشد وصموا عن الوعظ {ثم تاب الله عليهم} [أي تابوا بدخولهم بالإسلام بالنطق بالشهادتين. فقبل الله توبتهم] {ثم عموا وصموا كثير منهم} [أي ثم عمي كثير منهم وصم كرة ثانية] {والله بصير بما يعملون} فيجازيهم بحسب أعمالهم.
- {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم} لم يفرق عيسى عليه السلام بينه وبينهم في أنه عبد مربوب {إنه من يشرك بالله} في عبادته غير الله {فقد حرم الله عليه الجنة} التي هي دار الموحدين، أي حرمه دخولها {ومأواه النار} أي مرجعه {وما للظالمين} الكافرين {من أنصار} [يمنعونهم من عذاب الله].
- {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} أي ثالث ثلاثة ءالهة، قال في الآية الأولى: {لقد كفر الذين قآلوا إن الله هو المسيح ابن مريم} وقال في الثانية: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة}، بعض النصارى كانوا يقولون: المسيح بعينه هو الله، لأن الله ربما يتجلى في بعض الأزمان في شخص، فتجلى في ذلك الوقت في شخص عيسى، ولهذا كان يظهر من شخص عيسى أفعال لا يقر عليها إلى الله، وبعضهم ذهبوا إلى ءالهة ثلاثة: الله ومريم والمسيح، وأنه ولد الله من مريم {وما من إله إلا إله واحد} أي وما إلٰه قط في الوجود إلا إلٰه موصوف بالوحدانية لا ثانيض له، وهو الله وحده لا شريك له {وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم} ليمس الذين بقوا على الكفر منهم {عذاب أليم} نوع شديد الألم من العذاب.
- {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه} ألا يتوبون بعد هذه الشهادة المكررة عليهم بالكفر وهذا الوعيد الشديد مما هم عليه، وفيه تعجيب من إصرارهم {والله غفور رحيم} يغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم([1]).
- {ما المسيح ابن مريم إلا رسول} فيه نفي الألوهية عنه {قد خلت من قبله الرسل} أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله، وإبراؤه الأكمه والأبرص وإحياؤه الموتى لم يكن منه؛ لأنه ليس إلٰها، بل الله أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى على يد [أي يد عيسى]، كما أحيا العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى. وخلقه من غير ذكر كخلق ءادم من غير ذكر وأنثى {وأمه صديقة} وما أمه أيضا إلا كبعض النسا المصدقات للأنبياء المؤمنات بهم، [وصديقة أي برة تقية صدقت في أعمالها وأقوالها وأحوالها]، ثم أبعدهما عما نسب إليهما بقوله: {كانا يأكلان الطعام} لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم [وما يتبع الهضم] لم يكن إلا جسما مركبا من لحم وعظم وعروق وأعصاب وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف كغيره من الأجسام {انظر كيف نبين لهم الآيات} الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم {ثم انظر أنى يؤفكون} كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله بعد هذا البيان، وهذا تعجيب([2]) من الله تعالى في ذهابهم عن الفرق بين الرب والمربوب.
- {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا} هو عيسى عليه السلام، أي شيئا لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضركم به الله من البلاء والمصائب في الأنفس والأموال، ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم به [الله] من صحة الأبدان والسعة والخصب، لأن كل ما يستطيعه البشر من الـمضار والمنافع فبتخليقه تعالى، فكأنه لا يملك منه شيئا، وهذا دليل قاطع على أن أمره منافس للربوبية، حيث جعل÷ لا يستطيع ضرا ولا نفعا، وصفة الرب أن يكون قادرا على كل شيء لا يخرج مقدور عن قدرته {والله هو السميع العليم} أتشركون بالله ولا تخشونه وهو الذي يسمع ما تقولونه ويعلم ما تعتقدونه.
- {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} الغلو مجاوزة الحد، فغلو النصارى رفعه فوق قدره باستحقاق الألوهية، وغلو اليهود وضعه عن استحقاق النبوة {غير الحق} يعني غلوا باطلا {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل} أي أسلافكم وأئمتكم الذين كانوا على الضلال قبل مبعث النبي ﷺ {وأضلوا كثيرا} ممن تابعهم {وضلوا} لما بعث رسول الله ﷺ {عن سواء السبيل} حين كذبوه وحسدوه وبغوا عليه.
- {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم} قيل: إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت، قال داود: اللهم العنم واجعلهم ءاية؛ فمسخوا قردة، ولـما كفر أصحاب عيسى بعد المائدة قال عسى: اللهم عذب من كفر بعدما أكل من المائدة عذابا لم تعذبه أحدا من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازير، وكانوا خمسة ءالاف رجل {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} ذلك اللعن بعصيانهم واعتدائهم، ثم فسر المعصية والاعتداء بقوله:
- {كانوا لا يتناهون} لا ينهى بعضهم بعضا {عن منكر فعلوه} عن قبيح فعلوه {لبئس ما كانوا يفعلون} فيه دليل على أن ترك النهي عن المنكر من العظائم، فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم([3]) عنه.
{ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا} هم منافقو أهل الكتاب، كاوا يوالون المشركين [من عبدة الأوثان] ويصافونهم {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم} لبئس شيئا قدموه لأنفسهم سخط الله عليهم {وفي العذاب هم خالدون} أي في جهنم.
([1]) المعنى أن الله يغفر لمن تاب من هؤلاء ولغيرهم من التائبين.
([2]) معناه يعجب خلقه، أما الله تعالى فهو منزه عن التعجب، معناه اعجبوا بأناس هذه صفتهم.
- تفسير سورة المائدة من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
