تفسير سورة المائدة من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
- تفسير سورة المائدة من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون (81) لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (82) وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (83) وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين (84) فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين (85) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (86) يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (87) وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (88) لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون (89) يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) - {ولو كانوا يؤمنون بالله} إيمانا خالصا بلا نفاق {والنبي} محمد ﷺ {وما أنزل إليه} يعني القرءان {ما اتخذوهم أولياء} يعني أن موالاة المشركين تدل على نفاقهم {ولكن كثيرا منهم فاسقون} مستمرون في كفرهم ونفاقهم.
- {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} وصف اليهود بشدة الشكيمة([1])، والنصارى بلين العريكة([2])، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدة العداوة للمؤمنين، ونبه على تقدم قدمهم فيها بتقديمهم على المشركين [ومعناه أن الغالب من حال اليهود القساوة والإصرار على ما هم عليه من الطغيان والعتو، وكذلك المشركون فيهم الأنفة وحمية الجاهلية والنفوس الأبية، فهم في الإجابة كاليهود، وحرض المؤمنين على دعوة النصارى فهم ألين وأقرب والطمع في انقيادهم للإسلام أقوى] {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا} علماء وعبادا([3]) {وأنهم لا يستكبرون} علل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودتهم للمؤمنين بأن منهم قسيسين ورهبانا، وأن فيهم تواضعا واستكانة([4])، واليهود على خلاف ذلك.
- {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} وصفهم برقة القلوب وأنهم يبكون عند استماع القرءان، كما روي عن النجاشي أنه قال لجعفر بن أبي طالب حين اجتمع في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة والمشركون وهم يغرونه عليهم: هل في كتابكم ذكر مريم؟ قال جعفر: فيه سورة تنسب إلى مريم، فقرأها إلى قوله: {ذلك عيسى ابن مريم} [مريم: 34] وقرأ سورة طه إلى قوله: {وهل أتاك حديث موسى} [طه: 9] فبكى النجاشي؛ وكذلك فعل قومه الذين وفدوا على رسول الله ﷺ وهم سبعون رجلا حين قرأ عليهم سورة يس فبكوا {تفيض من الدمع} تمتلئ من الدمع حتى تفيض، {مما عرفوا من الحق} عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف إذا عرفوا كله وقرؤوا القرءان وأحاطوا بالسنة([5]) {يقولون ربنا ءامنا} بمحمد ﷺ والمراد إنشاء الإيمان والدخول فيه {فاكتبنا مع الشاهدين} مع أمة محمد عليه الصلاة والسلام الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة {لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143]، وقالوا ذلك لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك.
- {وما لنا لا نؤمن بالله} إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه، وهو الطمع في إنعام الله عليهم بصحبة الصالحين {وما جاءنا} وبما جاءنا {من الحق} يعني محمدا عليه السلام والقرءان {ونطمع أن يدخلنا ربنا} الجنة {مع القوم الصالحين} الأنبياء والمؤمنين.
- {فأثابهم الله بما قالوا} أي بقولهم: {ربنا ءامنا}، وتصديقهم لذلك {جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين} وفيه دليل على أن الإقرار داخل في الإيمان.
- {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} هذا أثر الرد في حق الأعداء، والأول أثر القبول للأولياء.
ونزل في جماعة من الصحابة رضي الله عنهم حلفوا أن يترهبوا([6]) ويلبسوا الـمسوح ويقوموا الليل ويصوموا النهار ويسيحوا في الأرض([7]) ولا يأكلوا اللحم والودك([8]) ولا يقربوا النساء والطيب:
- {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} ما طاب ولذ من الحلال، ومعنى {لا تحرموا}: لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم([9]) {ولا تعتدوا} ولا تجاوزوا الحد الذي حد عليكم في تحليل أو تحريم، أو ولا تتعدوا حدود ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم {إن الله لا يحب المعتدين} حدوده.
- {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا} [لا يراد به هنا الترغيب بأكل المستلذات من الحلال وإنما بيان حكمه أنه يجوز] {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} لأن الإيمان به يوجب التقوى فيما أمر به ونهى.
- {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} اللغو في اليمين: الساقط الذي لا يتعلق به حكم، وهو أن يحلف على شيء يرى أنه كذلك وليس كما ظن، وكانوا حلفوا على تحريم الطيبات على ظن أنه قربة، فلما نزلت تلك الآية قالوا: فكيف أيماننا؟ فنزلت. وعند الشافعي رحمه الله: ما يجري على اللسان بلا قصد([10]) {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} بتعقيدكم الأيمان، وهو توثيقها. والعقد: العزم على الوفاء، وذا لا يتصور في الماضي، فلا كفارة في الغموس، وعند الشافعي رحمه الله [العقد]: القصد بالقلب ويمين الغموس مقصودة فكانت معقودة، فكانت الكفارة فيها مشروعة، والمعنى: ولكن يؤاخذكم إذا عقدتم ثم حنثتم {فكفارته} فكفارة نكثه {إطعام عشرة مساكين} هو أن يغديهم ويعشيهم، ويجوز أن يعطيهم بطريق التمليك، وهو لكل واحد نصف صاع من بر([11]) أو صاع من شعير أو صاع من تمر، وعند الشافعي رحمه الله مد لكل مسكين {من أوسط ما تطعمون أهليكم} غداء وعشاء من بر، إذ الأوسع ثلاث([12]) مرات مع الإدام، والأدنى مرة من تمر أو شعير {أو كسوتهم} وهو ثوب يغطي العورة {أو تحرير رقبة} مؤمنة أو كافرة لإطلاق النص، وشرط الشافعي رحمه الله الإيمان حملا للمطلق على المقيد([13]) في كفارة القتل، ومعنى {أو} التخيير وإيجاب إحدى الكفارات الثلاث {فمن لم يجد} إحداها {فصيام ثلاثة أيام} متتابعة([14]) {ذلك} المذكور {كفارة أيمانكم إذا حلفتم} وحنثتم {واحفظوا أيمانكم} فبروا فيها ولا تحنثوا إذا لم يكن الحنث خيرا، أو ولا تحلفوا أصلا {كذلك} مثل ذلك البيان {يبين الله لكم ءاياته} أعلام شريعته وأحكامه {لعلكم تشكرون} نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج منه.
{يا أيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر} القمار {والأنصاب} الأصنام لأنها تنصب فتعبد {والأزلام} وهي القداح التي مرت {رجس} نجس أو خبيث مستقذر {من عمل الشيطان} لأنه يحمل عليه فكأنه عمله {فاجتنبوه لعلكم تفلحون} جعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحا كان الارتكاب خسارا.
([1]) الشكيمة في اللجام: الحديدة المعترضة في فم الفرس، ويقال من المجاز فلان شديد الشكيمة أي شديد النفس أنف أبي لا ينقاد، ويستعمل في الخير أي شديد صلب في دينه وفي الحق لا ينحرف عنه، ويقال في الباطل كهؤلاء اليهود فوصفهم بشدة التصلب في الكفر والضلال وعدم الميل والانصياع للحق المشاهد الواضح.
([2]) العريكة: الطبيعة، ويقال: فلان لين العريكة إذا كان سلسا مطواعا منقادا قليل الخلاف والنفور، ومراده أنه كان هذا حالهم في ذلك الزمن.
([3]) أي: متجردون للعبادة على طريقتهم، ولو كانت منحرفة عن دين عيسى الإسلام.
([5]) هذا في ذلك الزمن، لأن ملكهم كان متواضعا، فساروا سيرته.
([6]) أي: أن ينقطعوا للعبادة، بعض الصحابة أرادوا ألا يتزوجوا وأن يلبسوا الـمسوح أي شعر البهائم، الرهبان الذين كانوا على شريعة عيسى عليه السلام كان فيهم أولياء، أولئك انقطعوا إلى عبادة الله، تركوا المساكن وبنوا الصوامع في الغابات ورؤوس الجبال ومكثوا فيها لعبادة الله، كان فيهم أولياء، هؤلاء الصحابة أرادوا أن يترهبوا للعبادة مثل أولئك المسلمين.
([7]) أي: أن يتجولوا في البراري، بعضهم ما كانوا يلتزمون مكانا واحدا إنما يسيحون، وحيثما أدركهم الليل ينزلون، إن كانوا في برية أو مسجد أو فلاة يبيتون ليلتهم هناك.
([9]) لا تقطعوا أنفسكم عنها مع اعتقاد التحريم، الطيبات في القرءان ورد بمعنيين: أحدهما المستلذات والثاني الحلال: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} [المؤمنون: 51] معناه هنا الحلال، ليس المستلذات.
([10]) لغو اليمين في مذهب الشافعي ما يسبق إليه اللسان من غير قصد الحلف، وهو قول الرجل: لا والله وبلى والله من غير قصد لليمين.
([12]) أي: الأوسع أن يطعموا ثلاث مرات في اليوم مع الإدام.
([13]) عند الشافعي شرطها أن تكون مؤمنة في الكفارة، أما في غير الكفارة يجوز إعتاق الرقيق الكافر.
([14]) هذا أيضا عند الحنفية، وأما الشافعي فلم يشترط التتابع.
- تفسير سورة المائدة من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
