تفسير سورة المائدة من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة المائدة من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين (21) قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون (22) قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (23) قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون (24) قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين (25) قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين (26) واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (27) لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين (28) إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين (29) فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (30) - {يا قوم ادخلوا الأرض الـمقدسة} المطهرة المباركة وهي أرض بيت المقدس، أو الشام {التي كتب الله لكم} قسمها لكم {ولا ترتدوا على أدباركم} ولا ترجعوا على أعقابكم مدبرين منهزمين من خوف الجبابرة جبنا، أو لا ترتدوا على أدباركم في دينكم {فتنقلبوا خاسرين} فترجعوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة.
- {قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين} الجبار هو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد {وإنا لن ندخلها} بالقتال {حتى يخرجوا منها} بغير قتال {فإن يخرجوا منها} بلا قتال {فإنا داخلون} بلادهم.
- حينئذ {قال رجلان} كالب ويوشع {من الذين يخافون} الله ويخشونه {أنعم الله عليهما} بالخوف منه {ادخلوا عليهم الباب} أي باب المدينة {فإذا دخلتموه فإنكم غالبون} أي انهزموا وكانت الغلبة لكم، وإنما علما ذلك بإخبار موسى عليه السلام {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} إذ الإيمان به يقتضي التوكل عليه، وهو قطع العلائق([1])، وترك التملق للخلائق([2]).
- {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا} هذا نفي لدخولهم في المستقبل على وجه التوكيد {ما داموا فيها فاذهب أنت وربك} اذهب أنت، وربك يعينك([3]) {فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ماكثون لا نقاتلهم لنصرة دينكم، فلما عصوه وخالفوه:
- {قال رب إني لا أملك} لنصرة دينك {إلا نفسي وأخي} إني لا أملك إلا نفسي وإن أخي لا ملك إلا نفسه {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما وعدتنا، وتحكم عليهم بما هم أهله، وهو في معنى الدعاء عليهم.
- {قال فإنها} أي الأرض المقدسة {محرمة عليهم} لا يدخلونها، وهو تحريم منع لا تحريم تعبد {أربعين سنة} فإذا مضى الأربعون كان ما كتب، فقد سار موسى عليه السلام بمن بقي من بني إسرائيل، وكان يوشع على مقدمته، ففتحها وأقام فيها ما شاء الله ثم قبض {يتيهون في الأرض} يسيرون فيها متحيرين لا يهتدون طريقا أربعين سنة، وإنما عوقبوا بالحبس لاختيارهم الـمكث، فكانوا مع شدة سيرهم يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا في ستة فراسخ، ولما ندم على الدعاء عليهم قيل له: {فلا تأس على القوم الفاسقين} أي فلا تحزن عليهم لأنهم فاسقون، قيل: لم يكن موسى وهارون معهم في التيه لأنه كان عقابا، وقد سأل موسى ربه أن يفرق بينهما وبينهم [فأجيبت دعوته].
أمر الله تعالى محمدا ﷺ أن يقص على حاسديه ما جرى بسبب الحسد ليتركوه بقوله:
- {واتل عليهم} على أهل الكتاب {نبأ ابني ءادم} من صلبه هابيل وقابيل {بالحق} نبأ ملتبسا بالصدق موافقا لما في كتب الأولين {إذ قربا قربانا} ما يتقرب به إلى الله من نسيكة أو صدقة، والمعنى إذ قرب كل واحد منهما قربانه {فتقبل من أحدهما} قربانه وهو هابيل بأن نزلت نار فأكلته {ولم يتقبل من الآخر} قربانه وهو قابيل، فازداد قابيل حسدا وسخطا وتوعده بالقتل، وهو قوله: {قال لأقتلنك قال} أي هابيل {إنما يتقبل الله من المتقين} وأنت غير متق، فإنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من التقوى لا من قبلي.
- {لئن بسطت} مددت {إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط} بماد {يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين} [ما أنا بباسط يدي إليك مبتدئا كقصدك ذلك مني، وكان هابيل عازما على مدافعته إذا قصد قتله]، وإنما قتله فتكا على غفلة منه.
- {إني أريد أن تبوء} أن تحتمل أو ترجع {بإثمي} بإثم قتلي إذا قتلتني {وإثمك}([4]) الذي لأجله لم يتقبل قربانك، وهو عقوق الأب والحسد والحقد {فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين}.
- {فطوعت له نفسه قتل أخيه} فوسعته ويسرته [أي سهلت له نفس قتل أخيه، فأطاع هواه] {فقتله} عند عقبة حراء والمقتول ابن عشرين سنة {فأصبح من الخاسرين} [صار خاسرا دنياه وءاخرته، فقد أسخط والديه، وفقد أخاه، وأسخط ربه وصار إلى النار].
روي أنه لما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به، فخاف عليه السباع، فحمله في جراب على ظهره سنة.
([2]) أي: ترك شغل القلب بهم لغرض دنيوي.
([3]) معناه لا يحمل على الحركة والانتقال بالنسبة لله.
([4]) ليس معناه أنه يحب له هذه المعصية، إنما المعنى التهديد والتخويف، كأنه يقول: ارجع عن هذا وإلا تكون من أهل النار حاملا لهذه الآثام.
- تفسير سورة المائدة من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
