تفسير سورة المائدة من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
تفسير سورة المائدة من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين (31) من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون (32) إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (34) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون (35) إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم (36) يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم (37) والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم (38) فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم (39) ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير (40)- {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه} عورة أخيه وما لا يجوز أن ينكشف من جسده، بعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر، فحفر له بمقناره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة، فحينئذ {قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين} على قتله لما تعب فيه من حمله وتحيره في أمره ولم يندم ندم التائبين.
- {من أجل ذلك} بسبب ذلك {كتبنا على بني إسرائيل} خصهم بالذكر وإن اشترك الكل في ذلك، لأن التوراة أول كتاب فيه الأحكام {أنه من قتل نفسا بغير نفس} بغير قتل نفس {أو فساد في الأرض} بغير فساد في الأرض، وهو الشرك وكل فساد يوجب القتل {فكأنما قتل الناس جميعا} أي في الذنب([1]) {ومن أحياها} ومن استنقذها من أسباب الهلكة من قتل أو غرق أو حرق أو هدم أو غير ذلك {فكأنما أحيا الناس جميعا} جعل قتل الواحد كقتل الجميع، وكذلك الإحياء ترغيبا وترهيبا، لأن الـمتعرض لقتل النفس إذا تصور أن قتلها كقتل الناس جميعا عظم ذلك عليه فثبطه، وكذا الذي أراد إحياءها إذا تصور أن حكمه حكم إحياء جميع الناس رغب في إحيائها {ولقد جاءتهم} أي بني إسرائيل {رسلنا بالبينات} بالآيات الواضحات {ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك} بعد ما كتبنا عليهم، أو بعد مجيء الرسل بالآيات {في الأرض لمسرفون} في القتل لا يبالون بعظمته.
- {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله}، أي أولياء الله {ويسعون في الأرض فسادا} مفسدين [وهم قطاع الطريق، جعلهم محاربين الله ورسوله لأنهم يحاربون المؤمنين، وهم أولياء الله ورسوله] {أن يقتلوا} من غير صلب إن أفردوا القتل، [والتقتيل: تكثير القتل وتكريره، ومثله التصليب والتقطيع] {أو يصلبوا} مع القتل إن جمعوا بين القتل وأخذ المال {أو تقطع أيديهم وأرجلهم} إن أخذوا المال {من خلاف} أي مختلفة [أي تقطع اليد اليمنى الرجل اليسرى] {أو ينفوا من الأرض} بالحبس إذا لم يزيدوا على الإخافة {ذلك} المذكور {لهم خزي في الدنيا} ذل وفضيحة {ولهم في الآخرة عذاب عظيم}.
- {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} فتسقط عنهم هذه الحدود لا ما هو حق العباد {فاعلموا أن الله غفور رحيم} يغفر لهم بالتوبة ويرحمهم فلا يعذبهم.
- {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} فلا تؤذوا عباد الله {وابتغوا إليه الوسيلة} هي كل ما يتوسل به، أي يتقرب من قربة أو صنيعة أو غير ذلك، فاستعيرت لما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك السيئات {وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون}.
- {إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا} من صنوف الأموال {ومثله معه} وأنفقوه {ليفتدوا به} ليجعلوه فدية لأنفسهم {من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم} فلا سبيل لهم إلى النجاة بوجه.
- {يريدون} يتمنون {أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم} دائم.
- {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} يديهما، والمراد اليمينان {جزاء بما كسبا} مفعول له {نكالا من الله} عقوبة منه [رادعة لهما من العود، ولغيرهم من الاقتداء بهما] {والله عزيز} غالب لا يعارض في حكمه {حكيم} فيما حكم من قطع يد السارق والسارقة.
- {فمن تاب} من السرقة {من بعد ظلمه} سرقته {وأصلح} برد المسروق {فإن الله يتوب عليه} يقبل توبته {إن الله غفور رحيم} يغفر ذنبه ويرحمه.
{ألم تعلم} يا محمد، أو يا مخاطب {أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء} من مات على الكفر {ويغفر لمن يشاء} لمن تاب عن الكفر {والله على كل شيء} من التعذيب والمغفرة وغيرهما {قدير} قادر.
([1]) أي: من حيث إن ذنب قاتل النفس بغير حق عظيم جدا كما أن ذنب قاتل الناس جميعا عظيم جدا، وليس معناه أن جزاءهما بنفس المقدار، وقيل في ذلك أقوال أخر من وجوه التشبيه.
