تفسير سورة النساء من الآية مئة وواحد وسبعين إلى مئة وستة وسبعين
- تفسير سورة النساء من الآية مئة وواحد وسبعين إلى مئة وستة وسبعين
يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (171) لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا (172) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (173) يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174) فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما (175) يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم (176) - {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} لا تجاوزوا الحد، فغلت اليهود في حط المسيح عن منزلته حتى قالوا: إنه ابن الزنا، وغلت النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه ابن الله {ولا تقولوا على الله إلا الحق} وهو تنزيهه عن الشريك والولد {إنما المسيح عيسى ابن مريم} لا ابن الله {رسول الله وكلمته([1])} [أي بشارته التي بشر بها مريم أنها تلد غلاما زكيا من غير زوج و] قيل له: كلمة لأنه يهتدى به كما يهتدى بالكلام {ألقاها إلى مريم} أوصلها إليها وحصلها فيها {وروح} قيل له: روح لأنه كان يحيي الموتى كما سمي القرءان روحا بقوله: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} [الشورى: 52] لما أنه يحيي القلوب {منه} بتخليقه وتكوينه([2]) كقوله تعالى: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} [الجاثية: 13] {فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة} ولا تقولوا: الآلهة ثلاثة {انتهوا} عن التثليث {خيرا لكم إنما الله إله واحد} [إنما الإلٰه المعبود واحد لا تعدد فيه بوجه ما] {سبحانه أن يكون له ولد} أسبحه تسبيحا من أن يكون له ولد {له ما في السماوات وما في الأرض} بيان لتنزهه مما نسب إليه، بمعنى أن كل ما فيهما خلقه وملكه، فكيف يكون بعض ملكه جزءا منه، على أن الجزء إنما يصح في الأجسام، وهو يتعالى عن أن يكون جسما {وكفى بالله وكيلا} حافظا ومدبرا لهما ولما فيهما.
ولـما قال وفد نجران لرسول الله ﷺ: لم تعيب صاحبنا عيسى؟ تقول: إنه عبد الله ورسوله، قال: إنه ليس بعار أن يكون عبدا لله، قالوا: بلى، نزل قوله تعالى:
- {لن يستنكف المسيح} لن يأنف([3]) {أن يكون عبدا لله} هو رد على النصارى {ولا الملائكة} رد على من يعبدهم من العرب {المقربون} أي الكروبيون([4]) الذين حول العرش كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومن في طبقتهم {ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر} يترفع ويطلب الكبرياء {فسيحشرهم إليه جميعا} فيجازيهم على استنكافهم واستكبارهم، ثم فصل فقال:
- {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا}.
كأنه قيل: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين، وبما يصيبه من عذاب الله.
- {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم} رسول يبهر الـمنكر([5]) بالإعجاز {وأنزلنا إليكم نورا مبينا} قرءانا يستضاء به في ظلمات الحيرة.
- {فأما الذين ءامنوا بالله واعتصموا به} بالله {فسيدخلهم في رحمة منه} أي جنة {وفضل} زيادة النعمة {ويهديهم} ويرشدهم {إليه} إلى الله، أو إلى صراطه {صراطا مستقيما}.
- {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} كان جابر بن عبد الله مريضا فعاده رسول الله ﷺ، فقال: إني كلالة([6]) فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت {إن امرؤ هلك ليس له ولد} أي إن هلك امرؤ غير ذي ولد [ولا والد، وهو الكلالة] {وله أخت} أي لأب وأم، أو لأب {فلها نصف ما ترك} الميت {وهو يرثها} أي الأخ يرث الأخت جميع مالها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها {إن لم يكن لها ولد} [فإن كان لها ولد ذكر فلا شيء له، أو أنثى فله ما فضل من نصيبها] {فإن كانتا اثنتين} فإن كانت الأختان اثنتين دل على ذلك: {وله أخت}، {فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة} وإن كان من يرث بالأخوة {رجالا ونساء} ذكورا وإناثا {فللذكر} منهم {مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم} الحق {أن تضلوا} [لئلا] تضلوا {والله بكل شيء عليم} يعلم الأشياء بكنهها قبل كونها وبعده.
([2]) أي: ليست للجزئية والبعضية.
([4]) الكروبيون: سادة الملائكة المقربون، من الكرب بمعنى القرب.
- تفسير سورة النساء من الآية مئة وواحد وسبعين إلى مئة وستة وسبعين
