- تفسير سورة النساء من الآية مئة وواحد وأربعين إلى مئة وخمسين
الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (141) إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (142) مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (143) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا (144) إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (145) إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (146) ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما (147) لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما (148) إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا (149) إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) - {الذين يتربصون بكم} ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو إخفاق {فإن كان لكم فتح من الله} نصر وغنيمة {قالوا ألم نكن معكم} مظاهرين فأشركونا في الغنيمة {وإن كان للكافرين نصيب} سمي ظفر المسلمين فتحا تعظيما لشأنهم لأنه أمر عظيم تفتح له أبواب السماء، وظفر الكافرين نصيبا تخسيسا لحظهم لأنه لمظة([1]) من الدنيا يصيبونها {قالوا} للكافرين {ألم نستحوذ عليكم} ألم نتمكن من قتلكم فأبقينا عليكم {ونمنعكم من المؤمنين} بأن ثبطناهم([2]) عنكم وتوانينا في مظاهرتهم، فهاتوا نصيبا لنا مما أصبتم {فالله يحكم بينكم} أيها المؤمنون والمنافقون {يوم القيامة} فيدخل المنافقين النار والمؤمنين الجنة {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} في القيامة.
- {إن المنافقين يخادعون الله} يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر، {وهو خادعهم} وهو فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع، حيث تركهم معصومي الدماء والأموال في الدنيا، وأعد لهم الدرك الأسفل من النار في العقبى {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} متثاقلين كراهة، أما الغفلة فقد يبتلى بها المؤمن {يراؤون الناس} يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة {ولا يذكرون الله إلا قليلا} ولا يصلون إلا قليلا، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس.
- {مذبذبين} مترددين، يعني ذبذبهم الشيطان والهوى {بين ذلك} بين الكفر والإيمان {لا إلى هؤلاء} لا منسوبين إلى هؤلاء فيكونوا مؤمنين {ولا إلى هؤلاء} ولا منسوبين إلى هؤلاء فيسموا مشركين {ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا} طريقا إلى الهدى.
- {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا} حجة بينة في تعذيبكم.
- {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} في الطبق الذي في قعر جهنم، والنار سبع دركات، سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض {ولن تجد لهم نصيرا} يمنعهم من العذاب.
- {إلا الذين تابوا} من النفاق {وأصلحوا} ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم في حال النفاق {واعتصموا بالله} ووثقوا به كما يثق المؤمنون الخلص {وأخلصوا دينهم لله} لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه {فأولئك مع المؤمنين} فهم أصحاب المؤمنين ورفاقهم في الدارين {وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما} فيشاركونهم فيه.
- {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم} لله {وءامنتم} به {وكان الله شاكرا} يجزيكم على شكركم ويعطي الجزيل من الثواب {عليما} عالـما بما تصنعون.
- {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول} ولا غير الجهر، ولكن الجهر أفحش {إلا من ظلم} إلا جهر من ظلم، استثنى من الجهر الذي لا يحبه الله جهر المظلوم، وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما فيه من السوء {وكان الله سميعا} لشكوى المظلوم {عليما} بظلم الظالم، ثم حث على العفو وألا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار حثا على الأفضل فقال:
- {إن تبدوا خيرا} مكان جهر السوء {أو تخفوه} فتعملوه سرا {أو تعفوا عن سوء} تمحوه عن قلوبكم {فإن الله كان عفوا قديرا} أي إنه لم يزل عفوا عن الآثام مع قدرته على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنته.
{إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض} كاليهود كفروا بعيسى ومحمد عليهما السلام والإنجيل والقرءان، وكالنصارى كفروا بمحمد ﷺ والقرءان {ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا} دينا وسطا بين الإيمان والكفر، ولا واسطة بينهما. ([1]) اللمظة: مثل النكتة وهي أثر قليل كالنقطة.
([2]) أي: شغلناهم.