تفسير سورة النساء من الآية مئة وواحد وخمسين إلى مئة وستين
- تفسير سورة النساء من الآية مئة وواحد وخمسين إلى مئة وستين
أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (151) والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما (152) يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا (153) ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (154) فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (155) وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (156) وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا (157) بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (158) وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا (159) فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا (160) - {أولئك هم الكافرون} هم الكاملون في الكفر، لأن الكفر بواحد كفر بالكل {حقا} يقينا لا شك فيه {وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} في الآخرة.
- {والذين ءامنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم} أي الثواب الموعود لهم {وكان الله غفورا} يستر السيئات {رحيما} يقبل الحسنات.
ولـما قال فنحاص وأصحابه للنبي ﷺ: إن كنت نبيا صادقا فأتنا بكتاب من السماء جملة، كما أتى به موسى عليه السلام، نزل:
- {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء} جملة كما نلت التوراة جملة، وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك} معناه إن استكبرت([1]) ما سألوه منك فقد سألوا موسى أكبر من ذلك {فقالوا أرنا الله جهرة} عيانا {فأخذتهم الصاعقة} العذاب الهائل، أو النار المحرقة {بظلمهم} على أنفسهم بسؤال شيء في غير موضعه، وتعنتهم في سؤال الرؤية لا بسؤال الرؤية، لأنها ممكنة كإنزال القرءان جملة، {ثم اتخذوا العجل} إلٰها {من بعد ما جاءتهم البينات} المعجزات التسع([2]) {فعفونا عن ذلك} تفضلا، ولم نستأصلهم {وءاتينا موسى سلطانا مبينا} حجة ظهرة على من خالفه.
- {ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم} بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه {وقلنا لهم} والطور مظل عليهم {ادخلوا الباب سجدا} أي ادخلوا باب إيلياء([3]) مطأطئين عند الدخول رؤوسكم {وقلنا لهم لا تعدوا} لا تجاوزوا الحد {في السبت} بأخذ السمك {وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} عهدا مؤكدا.
- {فبما نقضهم} أي فبنقضهم، وما مزيدة للتوكيد، والباء يتعلق بقوله: {حرمنا عليهم طيبات} [النساء: 160] تقديره: حرمنا عليهم طيبات بنقضهم ميثاقهم {ميثاقهم} معنى التوكيد تحقيق أن تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك {وكفرهم بآيات الله} أي معجزات موسى عليه السلام {وقتلهم الأنبياء} كزكريا ويحيـى وغيرهما {بغير حق} بغير سبب يستحقون به القتل {وقولهم قلوبنا غلف} محجوبة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والوعظ {بل طبع الله عليها بكفرهم} هو رد وإنكار لقولهم: {قلوبنا غلف} [أي بل خذلها ومنعها التوفيق للتدبر في الآيات والتذكر في المواعظ] {فلا يؤمنون إلا قليلا} كعبد الله بن سلام وأصحابه.
- {وبكفرهم} ولـما تكرر منهم الكفر لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد ﷺ عطف بعض كفرهم على بعض {وقولهم على مريم بهتانا عظيما} هو النسبة إلى الزنا.
- {وقولهم إنا قتلنا المسيح} سمي مسيحا لأنه كان يمسح المريض والأكمه([4]) والأبرص فيبرأ {عيسى ابن مريم رسول الله} هم لم يعتقدوه رسول الله، لكنهم قالوا استهزاء {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} اجتمعت اليهود على قتله فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود([5])، فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال رجل منهم: أنا، فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب، وقيل: كان رجلا ينافق عيسى، فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه فدخل بيت عيسى، ورفع عيسى، وألقى الله شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى {وإن الذين اختلفوا فيه} في عيسى يعني اليهود، قالوا: إن الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا، أو اختلف النصارى قالوا: إلٰه وابن إلٰه وثالث ثلاثة {لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} يعني ولكنهم يتبعون الظن {وما قتلوه يقينا} أي قتلا يقينا، أو ما قتلوه حقا.
- {بل رفعه الله إليه} إلى حيث لا حكم فيه لغير الله، أو إلى السماء {وكان الله عزيزا} في انتقامه من اليهود {حكيما} فيما دبر من رفعه إليه([6]).
- {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى عليه السلام وبأنه عبد الله ورسوله يعني إذا عاين [الموت والهلاك] قبل أن تزهق([7]) روحه حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف، أو قبل موت عيسى عليه السلام، وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله. روي أنه ينزل من السماء في ءاخر الزمان، فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به حتى تكون الـملة واحدة وهي ملة الإسلام {ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا} يشهد على اليهود بأنهم كذبوه، وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله.
([2]) المعجزات التسع: العصا، واليد البيضاء، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والحجر، وفلق البحر، والطور الذي رفعه الله على بني إسرائيل. ومنهم من أبدل الحر بنقص من الأموال والأنفس والثمرات.
([3]) إيلياء المدينة التي فيها بيت المقدس.
- تفسير سورة النساء من الآية مئة وواحد وخمسين إلى مئة وستين
