تفسير سورة النساء من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
- تفسير سورة النساء من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (81) أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (82) وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا (83) فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا (84) من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا (85) وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا (86) الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا (87) فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (88) ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا (89) إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا (90) - {ويقولون} ويقول المنافقون إذا أمرتهم بشيء: {طاعة} أي أمرنا وشأننا طاعة {فإذا برزوا} خرجوا {من عندك بيت طائفة منهم} من البيتوتة لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل {غير الذي تقول} خلاف ما قلت وما أمرت به {والله يكتب ما يبيتون} يثبته في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه {فأعرض عنهم} ولا تحدث نفسك بالانتقام منهم {وتوكل على الله} في شأنهم فإن الله يكفيك مضرتهم وينتقم لك منهم إذا قوي أمر الإسلام {وكفى بالله وكيلا} كافيا لمن توكل عليه.
- {أفلا يتدبرون القرءان} أفلا يتأملون معانيه ومبانيه {ولو كان من عند غير الله} كما زعم الكفار {لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} أي تناقضا أو تفاوتا.
- {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف} هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم يكن فيهم خبرة بالأحوال {أذاعوا به} أفشوه، وكانت إذاعتهم مفسدة {ولو ردوه} أي ذلك الخبر {إلى الرسول} أي رسول الله ﷺ {وإلى أولي الأمر منهم} يعني كبراء الصحابة البصراء بالأمور {لعلمه} لعلم تدبير ما أخبروا به {الذين يستنبطونه منهم} يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها {ولولا فضل الله عليكم} بإرسال الرسول {ورحمته} بإنزال الكتاب {لاتبعتم الشيطان} لبقيتم على الكفر {إلا قليلا} لم يتبعوه.
لـما ذكر في الآي قبلها تثبطهم عن القتال وإظهارهم الطاعة وإضمارهم خلافها قال:
- {فقاتل في سبيل الله} إن أفردوك وتركوك وحدك {لا تكلف إلا نفسك} غير نفسك وحدها أن تقدمها إلى الجهاد فإن الله تعالى ناصرك لا الجنود {وحرض المؤمنين} وما عليك في شأنهم إلا التحريض على القتال فحسب لا التعنيف بهم {عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا} أي بطشهم وشدتهم وهم قريش، وقد كف بأسهم بالرعب فلم يخرجوا {والله أشد بأسا} من قريش {وأشد تنكيلا} تعذيبا.
- {من يشفع شفاعة حسنة} هي الشفاعة في دفع شر أو جلب نفع مع جوازها شرعا {يكن له نصيب منها} من ثواب الشفاعة {ومن يشفع شفاعة سيئة} هي خلاف الشفاعة الحسنة {يكن له كفل منها} نصيب {وكان الله على كل شيء مقيتا} مقتدرا؛ من أقات على الشيء اقتدر عليه، أو حفيظا؛ من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها.
- {وإذا حييتم بتحية} أي سلم عليكم فإن التحية في ديننا بالسلام في الدارين، {فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله} [النور: 61]. وكانت العرب تقول عند اللقاء: حياك الله أي أطال الله حياتك، فأبدل ذلك بعد الإسلام بالسلام {فحيوا بأحسن منها} أي قولوا: وعليكم السلام ورحمة الله إذا قال: السلام عليكم، وزيدوا: وبركاته إذا قال: ورحمة الله {أو ردوها} أجيبوها بمثلها، والتسليم سنة، والرد فريضة، والأحسن فضل. {إن الله كان على كل شيء حسيبا} أي يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها.
- {الله لا إله إلا هو ليجمعنكم} ومعناه الله والله ليجمعنكم {إلى يوم القيامة} أي ليحشرنكم إليه، [وسمي يوم القيامة بذلك إما لقيامهم من القبور، أو لقيامهم للحساب] {لا ريب فيه} أي جمعا لا ريب فيه {ومن أصدق من الله حديثا} أي لا أحد أصدق منه في إخباره ووعده ووعيده لاستحالة الكذب عليه.
- {فما لكم في المنافقين فئتين} ما لكم اختلفتم في شأن قوم قد نافقوا نفاقا ظاهرا وتفرقتم فيهم فرقتين ولم تقطعوا القول بكفرهم، وذلك أن قوما من المنافقين استأذنوا رسول الله في الخروج إلى البدو معتلين باجتواء المدينة([1])، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون فيهم، فقال بعضهم: هم كفار، وقال بعضهم: هم مسلمون {والله أركسهم} ردهم إلى حكم الكفار {بما كسبوا} من ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين، فردوهم أيضا ولا تختلفوا في كفرهم {أتريدون أن تهدوا} أن تجعلوا من جملة المهتدين {من أضل الله} من جعله الله ضالا {ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا} طريقا إلى الهداية.
- {ودوا لو تكفرون كما كفروا} ودوا لو تكفرون كفرا مثل كفرهم {فتكونون سواء} مستوين أنتم وهم في الكفر {فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله} فلا توالوهم حتى يؤمنوا، لأن الهجرة في سبيل الله [لا تكون إلا] بالإسلام {فإن تولوا} عن الإيمان {فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم} كما كان حكم سائر المشركين {ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا} وإن بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم.
{إلا الذين يصلون إلى قوم} ينتهون إليهم ويتصلون بهم {بينكم وبينهم ميثاق} القوم هم الأسلميون([2]) كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، وذلك أنه وادع([3]) قبل خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على ألا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال والتجأ إليه فله من الجوار([4]) مثل الذي لهلال، أي فاقتلوهم إلا من اتصل بقوم بينكم وبينهم ميثاق {أو جاؤوكم} أي إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين أو قوم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم {حصرت صدورهم} الحصر: الضيق والانقباض {أن يقاتلوكم} عن أن يقاتلوكم {أو يقاتلوا قومهم} معكم {ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم} بتقوية قلوبهم وإزالة الحصر عنها {فإن اعتزلوكم} فإن لم يتعرضوا لكم {فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم} الانقياد والاستسلام {فما جعل الله لكم عليهم سبيلا} طريقا إلى القتال.
([1]) أي: مدعين بأنهم استوخموا هواءها ولم يوافقهم.
([2]) الأسلميون: نسبة إلى أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو السمعاني.
- تفسير سورة النساء من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
