تفسير سورة النساء من الآية مئة وواحد وعشرين إلى مئة وثلاثين
- تفسير سورة النساء من الآية مئة وواحد وعشرين إلى مئة وثلاثين
أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا (121) والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا (122) ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا (123) ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا (124) ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا (125) ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا (126) ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما (127) وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا (128) ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما (129) وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما (130) - {أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا} معدلا ومفرا.
- {والذين ءامنوا وعملوا الصالحات} ولم يتبعوا الشيطان في الأمر بالكفر {سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا} قولا، وهو استفهام بمعنى النفي، أي لا أحد أصدق منه، وهو تأكيد، وفائدة هذه التوكيدات مقابلة مواعيد الشيطان الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه.
- {ليس بأمانيكم} ليس الأمر على شهواتكم وأمانيكم أيها المشركون أن تنفعكم الأصنام {ولا أماني أهل الكتاب} ولا على شهوات اليهود والنصارى حيث قالوا: {نحن أبناء الله وأحباؤه} [المائدة: 18]، {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} [البقرة: 80] {من يعمل سوءا يجز به} من المشركين وأهل الكتاب بدليل قوله: {ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا} وهذا وعيد للكفار لأنه قال بعده:
- {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا} قدر النقير، وهو النقرة في ظهر النواة.
- {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله} أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له لا يعرف لها ربا ولا معبودا سواه {وهو محسن} عامل للحسنات {واتبع ملة إبراهيم حنيفا} مائلا عن الأديان الباطلة {واتخذ الله إبراهيم خليلا([1])} هو في الأصل الـمخال، وهو الذي يخالك أي يوافقك في خلالك([2])، أو يداخلك خلال منزلك، أو يسد الأسرار، والـمحبة أصفى لأنها من حبة القلب، وفائدتها تأكيد وجوب اتباع ملته لأن من بلغ من الزلفى عند الله أن اتخذه خليلا كان جديرا بأن تتبع ملته وطريقته.
- {ولله ما في السماوات وما في الأرض} دليل على أن اتخاذه خليلا لاحتياج الخليل إليه لا باحتياجه تعالى إليه لأنه منزه عن ذلك {وكان الله بكل شيء محيطا} عالـما.
- {ويستفتونك في النساء} ويسألونك الإفتاء في النساء، والإفتاء تبيين الـمبهم {قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن} ما فرض لهن من الميراث، وكان الرجل منهم يضم اليتيمة إلى نفسه ومالها فإن كانت جميلة تزوجها وأكل المال، وإن كانت دميمة([3]) عضلها([4]) عن التزوج حتى تموت فيرثها {وترغبون أن تنكحوهن} في أن تنكحوهن لجمالهن، أو عن أن تنكحوهن لدمامتهن {والمستضعفين من الولدان} اليتامى، وكانوا في الجاهلية إنما يورثون الرجال القوام بالأمور دون الأطفال والنساء {وأن تقوموا لليتامى} بمعنى: يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين، ويأمركم أن تقوموا، وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا لهم حقوقهم {بالقسط} بالعدل في ميراثهم ومالهم {وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما} أي فيجازيكم عليه.
- {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا} توقعت منه ذلك لما لاح([5]) لها من أماراته، والنشوز أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه ونفقته، وأن يؤذيها بسب أو ضرب {أو إعراضا} عنها بأن يقل محادثتها ومؤانستها بسبب كبر سن أو دمامة أو سوء في خلق أو خلق {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما} يتصالحا {صلحا} على أن تطيب له نفسا عن القسمة أو عن بعضها، أو تهب له بعض المهر أو كله، أو النفقة {والصلح خير} من الفرقة، أو من النشوز، أو من الخصومة في كل شيء {وأحضرت الأنفس الشح} جعل الشح حاضرا لها لا يغيب عنها أبدا ولا تنفك عنه. والمراد أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمها والرجل لا يكاد يسمح بأن يقسم لها إذا رغب عنها، فكل واحد منهما يطلب ما فيه راحته، ثم حث على مخالفة الطبع ومتابعة الشرع بقوله: {وإن تحسنوا} بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة {وتتقوا} النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة {فإن الله كان بما تعملون} من الإحسان والتقوى {خبيرا} فيثيبكم عليه.
- {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء} أن تعدلوا في المحبة، وكان عليه الصلاة والسلام يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: «هذه قسمتي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك» يعني المحبة لأن عائشة رضي الله عنها كانت أحب إليه {ولو حرصتم} بالغنم في تحري ذلك {فلا تميلوا كل الميل} فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمها من غير رضا منها {فتذروها كالمعلقة} وهي التي ليست بذات بعل ولا مطلقة {وإن تصلحوا} بينهن {وتتقوا} الجور {فإن الله كان غفورا رحيما} يغفر لكم ميل([6]) قلوبكم ويرحمكم فلا يعاقبكم.
{وإن يتفرقا} إن لم يصطلح الزوجان على شيء وتفرقا بالخلع، أو بتطليقه إياها وإيفائه مهرها ونفقة عدتها {يغن الله كلا} كل واحد منهما {من سعته} من غناه، أي يرزقه زوجا خيرا من زوجه وعيشا أهنأ من عيشه {وكان الله واسعا} بتحليل النكاح {حكيما} بالإذن في السراح، فالسعة: الغنى والقدرة، والواسعك الغني المقتدر،
([1]) أي: الذي بلغ في حب الله الغاية، بلغ الغاية بعد سيدنا محمد ﷺ في الانقطاع إلى الله بالعبادة، ومقام الخلة هذا لم يصل إليه إلا سيدنا محمد وسيدنا إبراهيم عليهما السلام.
([6]) معناه لا يؤاخذكم على ميل قلوبكم، المغفرة قد تكون من غير معصية.
- تفسير سورة النساء من الآية مئة وواحد وعشرين إلى مئة وثلاثين
