تفسير سورة النساء من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
- تفسير سورة النساء من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41) يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا (42) يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا (43) ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل (44) والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا (45) من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (46) يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا (47) إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما (48) ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا (49) انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا (50) - {فكيف} يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم {إذا جئنا من كل أمة بشهيد} يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم {وجئنا بك} يا محمد {على هؤلاء} أي أمتك {شهيدا} شاهدا على من ءامن بالإيمان على من كفر بالكفر وعلى من نافق بالنفاق. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ سورة النساء على رسول الله ﷺ حتى بلغ قوله: {وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} فبكى رسول الله ﷺ وقال: حسبنا.
- {يومئذ يود الذين كفروا} بالله {وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض} لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى {ولا يكتمون الله حديثا} ولا يقدرون على كتمانه، لأن جوارحهم تشهد عليهم.
ولـما صنع عبد الرحمٰن بن عوف طعاما وشرابا ودعا نفرا من الصحابة رضي الله عنهم [قبل نزول تحريم الخمر] فأكلوا وشربوا فقدموا أحدهم ليصلي بهم المغرب فقرأ([1]): (قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد) نزل:
- {يا أيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} لا تقربوها في هذه الحالة {حتى تعلموا ما تقولون} أي تقرأون {ولا جنبا} أي ولا في هذه الحالة {حتى تعلموا ما تقولون} أي تقرأون {ولا جنبا} أي ولا تصلوا جنبا {إلا عابري سبيل} لا تقربوا الصلاة جنبا غير عابري سبيل أي جنبا مقيمين غير مسافرين {حتى تغتسلوا} إلا أن تكونوا مسافرين عادمين الماء متيممين، عبر عن المتيمم بالمسافر، لأن غالب حاله عدم الماء، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله. وقال الشافعي رحمه الله: {لا تقربوا الصلاة} أي: مواضع الصلاة وهي المساجد، {ولا جنبا} أي: ولا تقربوا المسجد جنبا إلا عابري سبيل إلا مجتازين فيه، فيجوز للجنب العبور في المسجد عند الحاجة {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط} أي الـمطمئن([2]) من الأرض، وكانوا يأتونه لقضاء الحاجة([3])، فكني به عن الحدث {أو لامستم النساء} جامعتموهن([4]) {فلم تجدوا ماء} فلم تقدروا على استعماله لعدمه أو بعده أو فقد ءالة الوصول إليه أو لمانع من حية أو سبع أو عدو {فتيمموا} أدخل في حكم الشرط أربعة وهم الـمرضى والمسافرون والـمحدثون وأهل الجنابة، والجزاء الذي هو الأمر بالتيمم متعلق بهم جميعا، فالمرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه، والمسافرون إذا عدموه لبعده والمحدثون وأهل الجنابة إذا لم يجدوه لبعض الأسباب فلهم أن يتيمموا {صعيدا} هو وجه الأرض ترابا كان أو غيره، وإن كان صخرا لا تراب عليه لو ضرب المتيمم يده ومسح لكان ذلك طهوره. {طيبا} طاهرا {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا} بالترخيص والتيسير {غفورا} عن الخطأ والتقصير.
- {ألم تر} من رؤية القلب، على معنى: ألم ينتبه علمك {إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} حظا من علم التوراة وهم أحبار اليهود {يشترون الضلالة} يستبدلونها بالهدى وهو البقاء على اليهودية بعد وضوح الآيات لهم على صحة نبوة رسول الله ﷺ وأنه هو النبي العربي المبشر به في التوراة والإنجيل {ويريدون أن تضلوا} أنتم أيها المؤمنون {السبيل} سبيل الحق كما ضلوه.
- {والله أعلم} منكم {بأعدائكم} وقد أخبركم بعداوة هؤلاء فاحذروهم ولا تستنثحوهم في أموركم {وكفى بالله وليا} في النفع {وكفى بالله نصيرا} في الدفع، فثقوا بولايته ونصرته دونهم، أو لا تبالوا بهم فإن الله ينصركم عليهم ويكفيكم مكرهم.
- {من الذين هادوا} بيان للذين أوتوا نصيبا من الكتاب {يحرفون الكلم عن مواضعه} يميلونه عنها ويزيلونه، لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلما غيره فقد أمالوه عن مواضعه في التوراة {ويقولون سمعنا} قولك {وعصينا} أمرك {واسمع} قولنا {غير مسمع} اسمع وأنت غير مسمع وهو قول ذو وجهين، يحتمل الذم أي اسمع منا مدعوا عليك بلا سمعت، ويحتمل المدح أي اسمع غير مسمع مكروها، وكذلك قوله: {وراعنا} يحتمل راعنا نكلمك أي ارقبنا وانتظرنا، ويحتمل شبه كلمة عبرانية أو سريانية كانوا يتسابون بها وهي راعينا، فكانوا سخرية بالدين وهزؤا برسول الله ﷺ يكلمونه بلكام محتمل ينوون به الشتيمة والإهانة ويظهرون به التوقير والإكرام {ليا بألسنتهم} يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون {وراعنا} موضع انظرنا، و{غير مسمع} موضع لا أسمعت مكروها {وطعنا في الدين} هو قولهم: لو كان نبيا حقا لأخبر بما نعتقد فيه {ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا} ولم يقولوا: وعصينا {واسمع} ولم يلحقوا به غير مسمع {وانظرنا} مكان راعنا {لكان} قولهم ذاك {خيرا لهم} عند الله {وأقوم} وأعدل وأسد {ولكن لعنهم الله بكفرهم} طردهم وأبعدهم عن رحمته بسبب اختيارهم الكفر {فلا يؤمنون إلا قليلا} منهم قد ءامنوا كعبد الله بن سلام وأصحابه.
ولـما لم يؤمنوا نزل:
- {يا أيها الذين أوتوا الكتاب ءامنوا بما نزلنا} يعني القرءان {مصدقا لما معكم} يعني التوراة {من قبل أن نطمس وجوها} نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم {فنردها على أدبارها} فنجعلها على هيئة أدبارها وهي الأقفاء مطموسة مثلها {أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت} أي نخزيهم بالـمسخ كما مسخنا أصحاب السبت، والوعيد كان معلقا بألا يؤمن كلهم، وقد ءامن بعضهم فإن ابن سلام قد سمع الآية قافلا([5]) من الشام فأتى النبي ﷺ مسلما قبل أن يأتي أهله وقال: ما كنت أرى أن أصل إلى أهلي قبل أن يطمس الله وجهي. أو أن الله تعالى أوعدهم بأحد الأمرين بطمس الوجوه أو بلعنهم، فإن كان الطمس تبدل أحوال رؤسائهم([6]) فقد كان أحد الأمرين، وإن كان غيره فقد حصل اللعن، فإنهم ملعونون بكل لسان، وقيل: هو منتظر في اليهود([7]) {وكان أمر الله} المأمور به وهو العذاب الذي أوعدوا به {مفعولا} كائنا لا محالة، فلا بد أن يقع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا.
- {إن الله لا يغفر أن يشرك به} إن مات عليه {ويغفر ما دون ذلك} ما دون الشرك وإن كان كبيرة مع عدم التوبة، وتقييده بقوله: {لمن يشاء} لا يخرجه عن عمومه {ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما} كذب كذبا عظيما استحق به عذابا أليما.
ونزل فيمن زكى نفسه من اليهود والنصارى حيث قالوا([8]): {نحن أبناء الله وأحباؤه} [المائدة: 18]، {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} [البقرة: 111].
- {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} ويدخل فيها كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء([9]) العمل وزيادة الطاعة والتقوى {بل الله يزكي من يشاء} إعلام بأن تزكية الله هي التي يعتد بها لا تزكية غيره، لأنه هو العالم بمن هو أهل للتزكية {ولا يظلمون} أي الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكية أنفسهم حق جزائهم {فتيلا} قدر فتيل، وهو ما يحدث بفتل الأصابع من الوسخ([10]).
{انظر كيف يفترون على الله الكذب} في زعمهم أنهم عند الله أزكياء {وكفى به} بزعمهم هذا {إثما مبينا} من بين سائر ءاثامهم.
([1]) هذا الرجل زال عقله بالمرة فقرأ تلك القراءة.
([3]) ما كان لهم كنف، بيوت خلاء، إنما كانوا يذهبون إلى الأماكن المنخفضة.
([4]) هذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وأما الشافعي رحمه الله فقد حمل اللمس على ظاهره.
([6]) ويكون معنى طمس وجوههم على هذا طمس جاههم عند أتباعهم الذين لأجلهم غيروا بما يطلعهم الله على خيانتهم، وقد فعل ذلك.
([7]) أي: لا بد أن يحصل فيهم طمس ومسخ قبل يوم القيامة.
([8]) اليهود قالت ذلك، والنصارى كذلك.
([9]) الزكاء بالزاي الطيب، أما الذكاء بالذال فهو الفطنة، يقال: زكا بالزاي أي طاب.
- تفسير سورة النساء من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
