تفسير سورة النساء من الآية واحد وخمسين إلى ستين
- تفسير سورة النساء من الآية واحد وخمسين إلى ستين
ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (51) أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (52) أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا (53) أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (54) فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا (55) إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (56) والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا (57) إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا (58) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا (59) ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا (60) - {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} يعني اليهود {يؤمنون بالجبت} أي الأصنام وكل ما عبدوه من دون الله {والطاغوت} الشيطان {ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين ءامنوا سبيلا} وذلك أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشا على محاربة رسول الله ﷺ، فقالوا: أنتم أهل الكتاب وأنتم إلى محمد أقرب منا، وهو أقرب منكم إلينا، فلا نأمن مكركم فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم، ففعلوا فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت، لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس – عليه اللعنة – فيما فعلوا، فقال أبو سفيان: أنحن أهدى سبيلا أم محمد؟ فقال كعب: أنتم أهدى سبيلا.
- {أولئك الذين لعنهم الله} أبعدهم من رحمته {ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا} يعتد بنصره.
ثم وصف اليهود بالبخل والحسد، وهما من شر الخصال، يمنعون ما لهم ويتمنون ما لغيرهم، فقال:
- {أم لهم نصيب من الملك} إنكار أن يكون لهم نصيب من الـملك {فإذا لا يؤتون الناس نقيرا} أي لو كان لهم نصيب من الـملك أي ملك أهل الدنيا أو ملك الله فإذا لا يؤتون أحدا مقدار نقير لفرط بخلهم، والنقير: النقرة في ظهر النواة، وهو مثل في القلة كالفتيل.
- {أم يحسدون الناس على ما ءاتاهم الله من فضله} بل أيحسدون رسول الله ﷺ والمؤمنين، وكانوا يحسدونهم على ما ءاتاهم الله من النصرة والغلبة وازدياد العز والتقدم كل يوم {فقد ءاتينا ءال إبراهيم الكتاب} التوراة {والحكمة} الموعظة والفقه {وءاتيناهم ملكا عظيما} يعني ملك يوسف وداود وسليمان عليهم السلام، وهذا إلزام لهم بما عرفوه من إيتاء الله الكتاب والحكمة ءال إبراهيم الذين هم أسلاف محمد عليه الصلاة السلام، وأنه ليس ببدع([1]) أن يؤتيه الله مثل ما أوتي أسلافه.
- {فمنهم من ءامن به} فمن اليهود من ءامن بما ذكر من حديث ءال إبراهيم {ومنهم من صد عنه} وأنكره مع علمه بصحته {وكفى بجهنم سعيرا} للصادين.
- {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم} ندخلهم {نارا كلما نضجت جلودهم} احترقت {بدلناهم جلودا غيرها} أعدنا تلك الجلود غير محترقة {ليذوقوا العذاب} ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع {إن الله كان عزيزا} غالبا بالانتقام لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين {حكيما} فيما يفعل بالكافرين.
- {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة} من الأنجاس والحيض والنفاس {وندخلهم ظلا ظليلا} وهو ما كان طويلا فينانا لا جوب فيه ودائما لا تنسخه الشمس، وسجسجا([2]) لا حر فيه ولا برد وليس ذلك إلا ظل الجنة.
ثم خاطب الولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل بقوله:
- {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} دخل في هذا الأمر أداء الفرائض التي هي أمانة الله تعالى التي حملها الإنسان، وحفظ الحواس التي هي ودائع الله تعالى {وإذا حكمتم بين الناس} قضيتم {أن تحكموا بالعدل} بالسوية والإنصاف، وقيل: إن عثمان بن طلحة بن عبد الدار كان سادن([3]) الكعبة، وقد أخذ رسول الله منه مفتاح الكعبة، فلما نزلت الآية أمر عليا رضي الله عنه بأن يرده إليه وقال رسول الله ﷺ: «لقد أنزل الله في شأنك قرءانا» وقرأ عليه الآية فأسلم عثمان، فهبط جبريل عليه السلام وأخبر رسول الله ﷺ أن السدانة في أولاد عثمان أبدا. {إن الله نعما يعظكم به} أي نعم الذي يعظكم به، وهو المأمور به من أدا الأمانات والعدل في الحكم {إن الله كان سميعا} لأقوالكم {بصيرا} بأعمالكم.
ولما أمر الولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل، أمر الناس بأن يطيعوهم بقوله:
- {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} أي الولاة، أو العلماء لأن أمرهم ينفذ على الأمراء([4]) {فإن تنازعتم في شيء} فإن اختلفتم في شيء من أمور الدين {فردوه إلى الله والرسول} أي ارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} أي إن الإيمان يوجب الطاعة دون العصيان، ودلت الآية على أن طاعة الأمراء واجبة إذا وافقوا الحق، فإذا خالفوه فلا طاعة لهم، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» {ذلك} إشارة إلى الرد إلى الكتاب والسنة {خير} عاجلا {وأحسن تأويلا} عاقبة.
كان بين بشر المنافق ويهودي خصومة فدعاه اليهودي إلى النبي ﷺ لعلمه أنه لا يرتشي، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ليرشوه، فاحتكما إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقضى لليهودي فلم يرض المنافق وقال: تعال نتحاكم إلى عمر، فقال اليهودي لعمر رضي الله عنه: قضى لي رسول الله ﷺ فلم يرض بقضائه، فقال عمر للمنافق: أكذلك، قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر فأخذ سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق، فقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله فنزل:
{ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} وقال جبريل عليه السلام: إن عمر فرق بين الحق والباطل، فقال له رسول الله ﷺ: «أنت الفاروق» {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} أي كعب بن الأشرف، سماه الله طاغوتا لإفراطه في الطغيان وعداوة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أو على التشبيه بالشيطان، أو جعل اختيار التحاكم إلى غير رسول الله ﷺ على التحاكم إليه تحاكما إلى الشيطان بدليل قوله: {وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم} عن الحق {ضلالا بعيدا} مستمرا إلى الموت.
([2]) الفينان: الطويل الممتد، والجوب: الخرق والقطع، والسجسج: المتوسط.
- تفسير سورة النساء من الآية واحد وخمسين إلى ستين
