تفسير سورة آل عمران من الآية مئة وواحد وستين إلى مئة وسبعين
- تفسير سورة آل عمران من الآية مئة وواحد وستين إلى مئة وسبعين
وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (161) أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (162) هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون (163) لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (164) أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير (165) وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167) الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (168) ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (169) فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170) - {وما كان لنبي أن يغل} أي أن يخون، والمعنى: ما صح له ذلك، يعني أن النبوة تنافي الغلول. روي أن قطيفة([1]) حمراء فقدت يوم بدر مما أصيب من المشركين، فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله ﷺ أخذها، فنزلت الآية: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} أي يأت بالشيء الذي غله بعينه حاملا له على ظهره كما جاء في الحديث، أو يأت بما احتمل من وباله وإثمه {ثم توفى كل نفس ما كسبت} تعطى جزاءها وافيا {وهم لا يظلمون} جزاء كل على قدر كسبه.
- {أفمن اتبع رضوان الله} أي رضا الله، قيل: هم المهاجرون والأنصار {كمن باء بسخط من الله} وهم المنافقون والكفار {ومأواه جهنم وبئس المصير} المرجع.
- {هم درجات عند الله} هم متفاوتون كما تتفاوت الدرجات، والمعنى تفاوت منازل الـمثابين منهم ومنازل الـمعاقبين {والله بصير بما يعملون} عالم بأعمالهم ودرجاتها فيجازيهم على حسبها.
- {لقد من الله على المؤمنين} على من ءامن مع رسول الله عليه الصلاة والسلام من قومه، وخص المؤمنين منهم لأنهم هم المنتفعون بمبعثه {إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} من جنسهم عربيا مثلهم، أو م، ولد إسماعيل كما أنهم من ولده، والمنة في ذلك من حيث إنه إذا كان منهم كان اللسان واحدا، فيسهل أخذ ما يجب عليهم أخذه عنه، وكانوا واقفن على أحواله في الصدق والأمانة، فكان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه، وكان لهم شرف بكونه منهم {يتلو عليهم ءاياته} أي القرءان بعدما كانوا أهل جاهلية، لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي {ويزكيهم} ويطهرهم بالإيمان من دنس([2]) الكفر والطغيان {ويعلمهم الكتاب والحكمة} القرءان والسنة {وإن كانوا من قبل} من قبل بعثة الرسول ﷺ {لفي ضلال} عمى وجهالة {مبين} ظاهر لا شبهة فيه.
- {أولما أصابتكم مصيبة} يريد ما أصابهم يوم أحد من قتل سبعين منهم {قد أصبتم مثليها} يوم بدر منقتل سبعين وأسر سبعين {قلتم أنى هذا} من أين هذا {قل هو من عند أنفسكم} لاختياركم الخروج من المدينة أو لترككم المركز: {إن الله على كل شيء قدير} يقدر على النصر وعلى منعه.
- {وما أصابكم} «ما» بمعنى الذي {يوم التقى الجمعان} جمعكم وجمع المشركين بأحد {فبإذن الله} فكائن بإذن الله، أي بعلمه وقضائه([3]) {وليعلم المؤمنين} وهو كائن ليتميز المؤمنون [عن المنافقين بثبوتهم في القتال، ويظهر ذلك كما علمه الله تعالى أزلا].
- {وليعلم الذين نافقوا} [وليظهر كفر المنافقين باخزالهم([4]) عن المسلمين] {وقيل لهم} للمنافقين – وهو كلام مبتدأ -: {تعالوا قاتلوا في سبيل الله} جاهدوا للآخرة كما يقاتل المؤمنون {أو ادفعوا} قاتلوا دفعا عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم إن لم تقاتلوا للآخرة، وقيل: أو ادفعوا العدو بتكثيركم سواد المجاهدين([5]) إن لم تقاتلوا لأن كثرة السواد مما يروع العدو {قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم} لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا لاتبعناكم، يعنون أن ما أنتم فيه لخطإ رأيكم ليس بشيء ولا يقال لمثله قتال، إنما هو إلقاء النفس في التهلكة {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان} يعني أنهم كانوا يتظاهرون بالإيمان قبل ذلك، وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم، فلما انخزلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا، تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم، واقتربوا من الكفر {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} يظهرون خلاف ما يضمرون من الإيمان وغيره {والله أعلم بما يكتمون} من النفاق.
- {الذين قالوا} أي ابن أبي وأصحابه {لإخوانهم} لأجل إخوانهم المقتولين يوم أحد {وقعدوا} قالوا – وقد قعدوا عن القتال -: {لو أطاعونا ما قتلوا} لو أطاعنا إخواننا فيما أمرناهم به من الانصراف عن رسول الله ﷺ والقعود ووافقونا يه لما قتلوا كما لم نقتل {قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} معناه قل إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع القتل سبيلا وهو القعود عن القتال فجدوا إلى دفع الموت سبيلا. وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقا([6]).
- {ولا تحسبن} الخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل أحد {الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء} بل هم أحياء {عند ربهم} مقربون عنده ذوو زلفى {يرزقون} مثل ما يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون، وهو تأكيد لكونهم أحياء، ووصف لحالهم التي هم عليها من التنعم برزق الله.
([1]) قطيفة: بفتح القاف وكسر الطاء: دثار له خمل.
([3]) هنا {فبإذن الله} أي بإرادته ومشيئته، فلا يمكن المعتزلة الذين خالفوا أهل الحق في هذه المسألة أن يقولوا: إن الإذن هنا بمعنى الأمر، لا يتجرؤون على القول بأن معنى الآية أن أذى المشركين للمسلمين في تلك المعركة بإذن الله بمعنى بأمر الله، في الآية دليل واضح على بطلان مذهبهم.
- تفسير سورة آل عمران من الآية مئة وواحد وستين إلى مئة وسبعين
