تفسير سورة آل عمران من الآية مئة وواحد وسبعين إلى مئة وثمانين
- تفسير سورة آل عمران من الآية مئة وواحد وسبعين إلى مئة وثمانين
يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (171) الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم (172) الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (173) فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم (174) إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (175) ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (176) إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم (177) ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين (178) ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم (179) ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير (180) - {يستبشرون بنعمة من الله وفضل} يسرون بما أنعم الله عليهم وما تفضل عليهم من زيادة الكرامة {وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} بل يوفر([1]) عليهم.
- {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} الجرح. روي أن أبا سفيان وأصحابه لـما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء([2]) ندموا وهموا بالرجوع، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوة، فندب([3]) النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان، فخرج يوم الأحد من المدينة مع سبعين رجلا حتى بلغوا حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال، وكان بأصحابه القرح([4])، فألقى الله الرعب في قلوب المشركين فذهبوا، فنزلت: {للذين أحسنوا منهم واتقوا} من للتبيين لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا، لا بعضهم {أجر عظيم} في الآخرة.
- {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} روي أن أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد: يا محمد، موعدنا موسم بدر القابل، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن شاء الله»، فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة، فألقى الله الرعب في قلبه، فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود([5]) الأشجعي، وقد قدم معتمرا، فقال: يا نعيم، إني واعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر، وقد بدا لي أن أرجع فالحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون، فقال لهم: أتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم فوالله لا يفلت منكم أحد، فقال عليه الصلاة والسلام: «والله لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد»، فخرج في سبعين راكبا، وهم يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى وافوا بدرا، وأقاموا بها ثماني ليال، وكانت معهم تجارة فباعوها وأصابوا خيرا، ثم انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، ولم يكن قتال، ورجع أبو سفيان إلى مكة، فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق([6]) وقالوا: إنما خرجتم لتأكلوا السويق؛ فالناس الأول نعيم، وهو جمع أريد به الواحد، أو كان له أتباع يثبطون([7]) مثل تثبيطه، والثاني أبو سفيان وأصحابه {فاخشوهم} فخافوهم {فزادهم} المقول الذي هو: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم}: {إيمانا} بصيرة وإيقانا {وقالوا حسبنا الله} كافينا الله [ونعم الكافي] {ونعم الوكيل} ونعم الموكول إليه هو.
- {فانقلبوا بنعمة من الله} وهي السلامة وحذر العدو منهم {وفضل} وهو الربح في التجارة فأصابوا بالدرهم درهمين {لم يمسسهم سوء} لم يلقوا ما يسوؤهم من كيد عدو، والتقدير: فرجعوا من بدر منعمين بريئين من سوء {واتبعوا رضوان الله} بجرأتهم وخروجهم إلى وجه العدو على إثر تثبيطه {والله ذو فضل عظيم} قد تفضل عليهم بالتوفيق فيما فعلوا.
- {إنما ذلكم الشيطان} إنما ذلكم الـمثبط هو الشيطان وهو نعيم([8]) {يخوف أولياءه} المنافقين [من المشركين، فيوسوس إليهم ويعظم أمورهم عندهم لئلا يخرجوا عونا للمؤمنين، أو معناه يخوفكم أولياءه الذين هم أبو سفيان وأصحابه] {فلا تخافوهم وخافون} [في مخالفة أمري، فجاهدوا مع رسولي] {إن كنتم مؤمنين} لأن الإيمان يقتضي أن يؤثر العبد خوف الله على خوف غيره.
- {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} يعني لا يحزنوك لخوف أن يضروك، ألا ترى إلى قوله: {إنهم لن يضروا الله شيئا} أي أولياء الله([9])، يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم، ثم بين كيف يعود وباله عليهم بقوله: {يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة} نصيبا من الثواب {ولهم عذاب عظيم} وذلك أبلغ ما ضر به الإنسان نفسه، والآية تدل على إرادة الكفر والمعاصي، لأن إرادته ألا يكون لهم ثواب في الآخرة لا تكون بدون إرادة كفرهم ومعاصيهم([10]).
- {إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان} استبدلوه به {لن يضروا الله شيئا} من الضرر {ولهم عذاب أليم}.
- {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم} ولا يحسبن الذين كفروا إملاءنا خيرا لأنفسهم، والإملاء لهم إمهالهم وإطالة عمرهم {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} كأنه قيل: ما بالهم لا يحسبون الإملاء خيرا لهم، فقيل: إنما نملي لهم ليزدادوا إثما، والآية حجة لنا على المعتزلة في مسألتي الأصلح وإرادة المعاصي {ولهم عذاب مهين}.
- {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه} من اختلاط المؤمنين الخلص المنافقين {حتى يميز الخبيث من الطيب} حتى يعزل المنافق عن الـمخلص، كأنه قيل: ما كان الله ليذر المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض حتى يميزهم منكم بالوحي إلى نبيه وإخباره بأحوالكم {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} وما كان الله ليؤتي أحدا منكم علم الغيوب، فلا تتوهموا عند إخبار الرسول بنفاق الرجل وإخلاص الآخر أنه يطلع على ما في القلوب اطلاع الله فيخبر عن كفرها وإيمانها {ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} ولكن الله يرسل الرسول فيوحي إليه ويخبره بأن في الغيب كذا، وأن فلانا في قلبه النفاق، وفلانا في قلبه الإخلاص، فيعلم ذلك من جهة إخبار اله لا من جهة نفسه. {فآمنوا بالله ورسله} بصفة الإخلاص {وإن تؤمنوا وتتقوا} النفاق {فلكم أجر عظيم} في الآخرة.
ونزل في معاني الزكاة:
{ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم} ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم هو خيرا لهم {بل هو} أي البخل {شر لهم} لأن أموالهم ستزول عنهم، ويبقى عليهم وبال البخل {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} سيجعل مالهم الذي منعوه عن الحق طوقا في أعناقهم كما جاء في الحديث [روى البخاري في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: «من ءاتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة يأخذ بلهزمتيه» – يعني بشدقيه – يقول: أنا مالك أنا كنزك» ثم تلا هذه الآية]([11]) {ولله ميراث السماوات والأرض} وله ما فيهما من مال وغيره، فما لهم يبخلون عليه بملكه، ولا ينفقونه في سبيل الله {والله بما تعملون خبير} التاء على طريقة الالتفات، وهو أبلغ في الوعيد.([2]) موضع بين مكة والمدينة، على نحو أربعين ميلا من المدينة.
([4]) أي: الجراحات من غزوة أحد.
([5]) نعيم بن مسعود الأشجعي، صحابي أسلم أيام الخندق، وخذل بين الأحزاب حتى تفرقوا في كل جهة.
([6]) السويق: ما يتخذ من الحنطة أو الشعير المطحون زادا للسفر وغيره.
([8]) أي: ثبطهم قبل أن يسلم، ورجح بعض تفسير الشيطان هنا بإبليس.
([9]) أي: لن يضروا أولياء الله شيئا، والله تعالى جل أن يلحقه المضار والمنافع، ولكن هذا وعد لهم بالنصرة وأمان لهم من شرورهم وضرهم، وإضافة ذلك إلى نفسه تشريف لهم.
([11]) مثل أي: صور له ماله، شجاعا أقرع أي: حية ذكرا قد تقرع رأسه أي تمعط لكثرة سمه، له زبيبتان أي: لحمتان على رأسه مثل القرنين، وقيل نابان يخرجان من فيه، وشدقيه أي: خديه.
- تفسير سورة آل عمران من الآية مئة وواحد وسبعين إلى مئة وثمانين
