تفسير سورة آل عمران من الآية مئة وواحد وأربعين إلى مئة وخمسين
- تفسير سورة آل عمران من الآية مئة وواحد وأربعين إلى مئة وخمسين
وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين (142) ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون (143) وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (144) وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (145) وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (146) وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (147) فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين (148) يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (149) بل الله مولاكم وهو خير الناصرين (150) - {وليمحص الله الذين ءامنوا} التمحيص: التطهير والتصفية {ويمحق الكافرين} ويهلكهم، يعني إن كانت الدولة([1]) على المؤمنين فللتمييز والاستشهاد والتمحيص، وإن كانت على الكافرين فلمحقهم ومحو ءاثارهم.
- {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة} أي لا تحسبوا([2]) {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} أي ولـما تجاهدوا، لأن العلم متعلق بالمعلوم، فنزل نفي العلم منزلة نفي متعلقه، لأنه منتف بانتفائه، تقول ما علم الله في فلان خيرا أي ما فيه خير حتى يعلمه، ولما بمعنى لم {ويعلم الصابرين} [عند البأس على ما ينالهم من جرح وألم ومكروه].
- {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه} خوطب به الذين لم يشهدوا بدرا، وكانوا يتمنون أن يحضروا مشهدا مع رسول الله ﷺ لينالوا كرامة الشهادة، وهم الذين ألحوا على رسول الله ﷺ في الخروج إلى المشركين، وكان رأيه في الإقامة بالمدينة {فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قتل إخوانكم بين أيديكم، وشارفتم أن تقتلوا، وهذا توبيخ لهم على تمنيهم الموت وعلى ما تسببوا له من خروج رسول الله ﷺ بإلحاحهم عليه، ثم انهزامهم عنه([3]).
لـما رمى ابن قميئة([4]) رسول الله ﷺ بحجر فكسر رباعيته([5])، أقبل يريد قتله، فذب عنه مصعب بن عمير([6])، وهو صاحب الراية حتى قتله ابن قميئة وهو يرى أنه رسول الله ﷺ، فقال: قتلت محمدا، وخرج صارخ – قيل: هو الشيطان – فقال: ألا إن محمدا قد قتل، ففشا في الناس خبر قتله، فانكفؤوا وجعل رسول الله ﷺ يدعو: «إلي عباد الله» حتى انحازت إليه([7]) طائفة من أصحابه، فلامهم على هربهم، فقالوا: يا رسول الله، فديناك بآبائنا وأمهاتنا، أتانا خبر قتلك، فولينا مدبرين، فنزل:
- {وما محمد إلا رسول قد خلت} مضت {من قبله الرسل} فسيخلو كما خلوا، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوة، لأن المقصود من بعثة الرسل تبليغ الرسالة وإلزام الحجة لا وجوده بين أظهر قومه {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} [الهمزة لإنكار والتوبيخ بمعنى: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات أو قتل؟]، والانقلاب على العقيبين مجاز عن الارتداد أو عن الانهزام {ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا} وإنما ضر نفسه {وسيجزي الله الشاكرين} الذين لم ينقلبوا، وسماهم شاكرين لأنهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا.
- {وما كان} وما جاز {لنفس أن تموت إلا بإذن الله} بعلمه([8])، أو بأن يؤذن لملك الموت في قبض روحه، والمعنى أن موت الأنفس محال أن يكون إلا بمشيئة الله، وفيه تحريض على الجهاد، وتشجيع على لقاء العدو، وإعلام بأن الحذر لا ينفع [في رد القضاء أو تأخير الأجل]، وأن أحدا لا يموت قبل بلوغ أجله، وإن خاض المهالك واقتحم المعارك {كتابا} المعنى: كتب الموت كتابا {مؤجلا} مؤقتا له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر {ومن يرد} بقتاله {ثواب الدنيا} أي الغنيمة، وهو تعريض بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد {نؤته منها} من ثوابها {ومن يرد ثواب الآخرة} أي إعلاء كلمة الله والدرجة في الآخرة {نؤته منها وسنجزي الشاكرين} الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء عن الجهاد.
- {وكأين من نبي} [وكم من نبي] {قاتل معه ربيون كثير} الربيون: الربانيون [أي علماء أتقياء، أو عارفون بربهم عابدون له] {فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله} فما فتضروا [لما أصيبوا به من الجراحات والآلام، أو] عند قتل نبيهم {وما ضعفوا} عن الجهاد بعده {وما استكانوا} وما خضعوا لعدوهم، وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن عند الإرجاف([9]) بقتل رسول الله عليه الصلاة والسلام، واستكانتهم لهم {والله يحب الصابرين} على جهاد الكافرين.
- {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا} وما كان قولهم إلا هذا القول، وهو إضافة الذنوب إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين هضما([10]) لها {وإسرافنا في أمرنا} [تفريطنا ومجاوزتنا الحد] {وثبت أقدامنا} في القتال {وانصرنا على القوم الكافرين} بالغلبة، وقدم الدعاء بالاستغفار من الذنوب على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على الأعداء لأنه أقرب إلى الإجابة، لما فيه من الخضوع والاستكانة.
- {فآتاهم الله ثواب الدنيا} النصرة والظفر والغنيمة {وحسن ثواب الآخرة} المغفرة والجنة {والله يحب المحسنين} أي هم محسنون والله يحبهم.
- {يا أيها الذين ءامنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم} يرجعوكم إلى الشرك {فتنقلبوا خاسرين} قيل: هو عام في جميع الكفار، وعلى المؤمنين أن يجانبوهم ولا يطيعوهم في شيء حتى لا يستجروهم إلى موافقتهم.
([1]) قال الراغب في المفردات: الدولة والدولة واحدة، وقيل: الدولة بالضم في المال، والدولة بالفتح في الحرب والجاه.
([2]) أي: أظننتم أن تدخلوا الجنة مع أنكم لم تجاهدوا ولم تصبروا على بلائه.
([3]) أي: توليهم عنه وتركهم إياه.
([4]) عبد الله ابن قميئة الحارثي.
([5]) الرباعية: بتخفيف الياء، السن التي بين الثنية والناب.
([6]) مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف، صحابي من السابقين إلى الإسلام قاتل في بدر واستشهد في أحد عام 3هـ.
([8]) أي: بالوقت الذي علم الله بموتها فيه.
- تفسير سورة آل عمران من الآية مئة وواحد وأربعين إلى مئة وخمسين
