تفسير سورة البقرة من الآية مئتين وواحد وأربعين إلى مئتين وخمسين
- تفسير سورة البقرة من الآية مئتين وواحد وأربعين إلى مئتين وخمسين
وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين (241) كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون (242) ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (243) وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم (244) من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون (245) ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين (246) وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم (247) وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (248) فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين (249) ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (250) - {كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون} [كما بين لكم ما يلزمكم لأزواجكم ويلزم أزواجكم لكم، كذلك يبين لكم سائر الأحكام في هذا الكتاب لتعقلوا حدوده وتعرفوا ما فيه صلاح دينكم ودنياكم وتعملوا به].
- {ألم تر} تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأخبار الأولين وتعجيب من شأنهم، ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع، لأن هذا الكلام جرى مجرى الـمثل في معنى التعجيب {إلى الذين خرجوا من ديارهم} من قرية قبل واسط([1]) وقع فيهم الطاعون فخرجوا هاربين، فأماتهم الله ثم أحياهم بدعاء حزقيل عليه السلام، وقيل: هم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد فهربوا حذرا من الموت فأماتهم الله ثمانية أيام ثم أحياهم {وهم ألوف} فيه دليل على الألوف الكثيرة لأنها جمع كثرة {حذر الموت فقال لهم الله موتوا} ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته، وتلك ميتة خارجة عن العادة، وفيه تشجيع للمسلمين على الجهاد وأن الموت إذا لم يكن منه بد ولم ينفع منه مفر فأولى أن يكون في سبيل الله {ثم أحياهم} ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفر من حكم الله وقضائه {إن الله لذو فضل على الناس} حيث يبصرهم ما يعتبرون به كما بصر أولئك وكما بصركم باقتصاص خبرهم {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} ذلك.
والدليل على أنه ساق هذه القصة بعثا على الجهاد ما أتبعه من الأمر بالقتال في سبيل الله وهو قوله:
- {وقاتلوا في سبيل الله} فحرض على الجهاد بعد الإعلام، لأن الفرار من الموت لا يغني، وهذا الخطاب لأمة محمد عليه الصلاة والسلام أو لمن أحياهم {واعلموا أن الله سميع} يسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون {عليم} بما يضمرونه.
- {من ذا الذي يقرض الله} سمى ما ينفق في سبيل الله قرضا لأن القرض ما يقبض ببدل مثله من بعد، فنبههم بذلك على أنه لا يضيع عنده وأنه يجزيهم عليه لا محالة {قرضا حسنا} بطيبة النفس من المال الطيب، والمراد النفقة في الجهاد، لأنه لـما أمر بالقتال في سبيل الله – ويحتاج فيه إلى المال – حث على الصدقة ليتهيأ أسباب الجهاد {فيضاعفه له} فهو يضاعفه {أضعافا كثيرة} لا يعلم كنهها إلا الله {والله يقبض ويبسط} يقتر الرزق على عباده ويوسعه عليهم، فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم، لا يبدلكم الضيق بالسعة {وإليه ترجعون} فيجازيكم على ما قدمتم.
- {ألم تر إلى الملإ} الأشراف، لأنهم يملؤون القلوب جلالة والعيون مهابة {من بني إسرائيل من بعد موسى} من بعد موته {إذ قالوا} حين قالوا {لنبي لهم} هو شمعون أو يوشع أو إشمويل {ابعث لنا ملكا} أنهض للقتال معنا أميرا نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وننتهي إلى أمره {نقاتل في سبيل الله قال} النبي {هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا} هل قاربتم ألا تقاتلوا، يعني هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون وتجبنون {قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله} وأي داع لنا إلى ترك القتال وأي غرض لنا فيه {وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} وذلك أن قوم جالوت كانوا يسكنون بين مصر وفلسطين فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين، يعنون إذا بلغ الأمر منا هذا المبلغ فلا بد من الجهاد {فلما كتب عليهم القتال} أي أجيبوا إلى ملتمسهم {تولوا} أعرضوا عنه {إلا قليلا منهم} وهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر، على عدد أهل بدر {والله عليم بالظالمين} وعيد لهم على ظلمهم بترك الجهاد.
- {وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا} كيف ومن أين؟! وهو إنكار لتملكه عليهم واستبعاد له {ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال} كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق بالـملك، وأنه فقير، ولا بد للملك من مال يعتضد به، وإنما قالوا ذلك لأن النبوة كانت في سبط لاوى بن يعقوب عليه السلام، والـملك في سبط يهوذا، وهو كان من سبط بنيامين، وكان رجلا سقاء أو دباغا فقيرا {قال إن الله اصطفاه عليكم} اختاره عليكم، وهو أعلم بالمصالح منكم، ولا اعتراض على حكمه، ثم ذكر مصلحتين أنفع مما ذكروا من النسب والمال، وهما العلم المبسوط والجسامة، فقال: {وزاده بسطة في العلم والجسم} قالوا: كان أعلم بني إسرائيل بالحرب والديانات في وقته، وأطول من كل إنسان برأسه ومنكبه، والبسطة: السعة والامتداد، والـملك لا بد أن يكون من أهل العلم، فإن الجاهل ذليل مزدرى غير منتفع به، وأن يكون جسيما لأنه أعظم في النفوس وأهيب في القلوب {والله يؤتي ملكه من يشاء} أي الـملك له غير منازع فيه، وهو يؤتيه من يشاء إيتاءه، وليس ذلك بالوراثة {والله واسع} واسع الفضل والعطاء، يوسع على من ليس له سعة من المال، ويغنيه بعد الفقر {عليم} بمن يصطفيه للملك، فثمة طلبوا من نبيهم ءاية على اصطفاء الله طالوت.
- {وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت} أي صندوق التوراة، وكان موسى عليه السلام إذا قاتل قدمه فكانت تسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرون {فيه سكينة من ربكم} سكون وطمأنينة {وبقية} هي رضاض الألواح([2]) وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة ونعلا موسى وعمامة هارون عليهما السلام {مما ترك ءال موسى وءال هارون} أي مما تركه موسى وهارون والآل مقحم لتفخيم شأنهما {تحمله الملائكة} يعني التابوت، وكان رفعه الله بعد موسى، فنزلت به الملائكة تحمله وهم ينظرون إليه {إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} إن في رجوع التابوت إليكم علامة أن الله قد ملك طالوت عليكم إن كنتم مصدقين.
- {فلما فصل طالوت} خرج {بالجنود} عن بلده إلى جهاد العدو، مختلطا بالجنود، وهم ثمانون ألفا، وكان الوقت قيظا([3])، وسألوا أن يجري الله لهم نهرا {قال إن الله مبتليكم} مختبركم أي يعاملكم معاملة المختبر {بنهر} وهو نهر فلسطين ليتميز الـمحقق في الجهاد من الـمعذر([4]) {فمن شرب منه} كرعا([5]) {فليس مني} فيلس من أتباعي وأشياعي {ومن لم يطعمه} ومن لم يذقه، من: طعم الشيء إذا ذاقه {فإنه مني} واستثني {إلا من اغترف} من قوله {فمن شرب منه فليس مني} {غرفة بيده} ومعناه الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكرع، والدليل عليه {فشربوا منه} أي فكرعوا، وروي أن الغرفة كانت تكفي الرجل لشربه وإداوته([6])، والذين شربوا منه اسودت شفاههم وغلبهم العطش {إلا قليلا منهم} وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا {فلما جاوزه} [فلما جاوز طالوت] النهر {هو والذين ءامنوا معه} أي القليل {قالوا لا طاقة لنا اليوم} لا قوة لنا {بجالوت} هو جبار من العمالقة من أولاد عمليق بن عاد، وكان في بيضته([7]) ثلاثمائة رطل من الحديد {وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله} [أي الذين] يوقنون بالشهادة وهم القليل الذين ثبتوا معه للكثير الذين انخزلوا([8]) {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} بنصره {والله مع الصابرين} بالنصر.
- {ولما برزوا لجالوت وجنوده} خرجوا لقتالهم {قالوا ربنا أفرغ} اصبب {علينا صبرا} على القتال {وثبت أقدامنا} بتقوية قلوبنا وإلقاء الرعب في صدور عدونا {وانصرنا على القوم الكافرين} أعنا عليهم.
([1]) واسط: اسم لعدة مواضع منها: في نواحي بلخ، وحلب، وقرب بغداد، وغربي الفرات، ومن منازل بني قشير، وفي الأندلس، وبنواحي الموصل، وفي اليمن وواسط الحجاج، والله أعلم أي واسط هي المقصودة. ياقوت الحموي، معجم البلدان، (ج5، ص347).
([4]) المعذر: المعتذر بغير عذر.
([5]) كرع في الماء كرعا شرب بفيه من موضعه، فإن شرب بكفيه أو بشيء ءاخر فليس بكرع.
([6]) الإداوة بالكسر: إناء صغير من جلد يتخذ للماء.
- تفسير سورة البقرة من الآية مئتين وواحد وأربعين إلى مئتين وخمسين
