- تفسير سورة البقرة من الآية مئة وواحد وعشرين إلى مئة وثلاثين
الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون (121) يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين (122) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون (123) وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (124) وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (125) وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير (126) وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم (127) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم (128) ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم (129) ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (130) - {الذين ءاتيناهم الكتاب} وهم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، والكتاب القرءان {يتلونه حق تلاوته} يقرءونه حق قراءته في الترتيل وأداء الحروف والتدبر والتفكر، أو يعملون به ويؤمنون بما في مضمونه {أولئك يؤمنون به ومن يكفر به} [أي بالكتاب المؤتى وذلك بالتحريف والكفر بما يصدقه] {فأولئك هم الخاسرون} [لمصيرهم إلى النار المؤيدة عليهم] حيث اشتروا الضلالة بالهدى.
- {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} أي أنعمتها عليكم {وأني فضلتكم على العالمين} وتفضيلي إياكم على عالمي زمانكم.
- {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون} تكرير هاتين الآيتين لتكرار المعاصي منهم وختم قصة بني إسرائيل بما بدأ به.
- {وإذ} واذكر إذ {ابتلى إبراهيم ربه بكلمات} اختبره بأوامر ونواه، والاختبار منا لظهور ما لم نعلم، ومن الله لإظهار ما قد علم {فأتمهن} قام بهن حق القيام وأداهن أحسن التأدية من غير تفريط وتوان، ونحوه: {وإبراهيم الذي وفى} [النجم: 37]. والكلمات خمس في الرأس الفرق([1]) وقص الشارب والسواك والمضمضة والاستنشاق، وخمس في الجسد الختان وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والاستنجاء {قال إني جاعلك للناس إماما} يأتمون بك في دينهم([2]) {قال ومن ذريتي} واجعل من ذريتي إماما يقتدى به {قال لا ينال عهدي الظالمين} لا تصيب الإمامة أهل الظلم من ولدك، أي أهل الكفر. أخبر أن إمامة المسلمين لا تثبت لأهل الكفر، وأن من أولاده المسلمين والكافرين، قال الله تعالى: {وباركنا عليه وعلى إسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين} [الصافات: 113]. والـمحسن المؤمن، والظالم الكافر.
- {وإذ جعلنا البيت} أي الكعبة {مثابة للناس} مباءة ومرجعا للحجاج والعمار يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه {وأمنا} وموضع أمن {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} موضع صلاة تصلون فيه، وقيل: مصلى مدعى([3]). ومقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدميه. وقيل الحرم كله مقام إبراهيم {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل} أمرناهما {أن طهرا بيتي} من الأوثان والخبائث والأنجاس كلها [وأضاف البيت إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، وهي إضافة مخلوق إلى خالق] {للطائفين} للدائرين حوله {والعاكفين} المجاورين الذين عكفوا عنده أي أقاموا لا يبرحون، أو المعتكفين {والركع السجود} والمصلين، جمعا راكع وساجد.
- {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا} اجعل هذا البلد أو هذا المكان {بلدا ءامنا} ذا أمن {وارزق أهله من الثمرات} لأنه لم يكن لهم ثمرة {من ءامن منهم بالله واليوم الآخر} وارزق المؤمنين من أهله خاصة. قال الله تعالى جوابا له: {قال ومن كفر} وأرزق من كفر {فأمتعه قليلا} تمتيعا قليلا أو زمانا قليلا إلى حين أجله {ثم أضطره} ألجئه {إلى عذاب النار وبئس المصير} المرجع الذي يصير إليه النار.
- {وإذ يرفع إبراهيم القواعد} هي جمع قاعدة، وهي الأساس والأصل لما فوقه {من البيت} وهو الكعبة {وإسماعيل} كان إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة {ربنا} يقولان: ربنا {تقبل منا} تقربنا إليك ببناء هذا البيت {إنك أنت السميع} لدعائنا {العليم} بضمائرنا ونياتنا.
- {ربنا واجعلنا مسلمين لك} [أي ثابتين على الإسلام، كما في قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] أي ثبتنا عليه، فهو دعاء استدامة وثبات، أو] مخلصين لك أوجهنا، والمعنى زدنا إخلاصا لك {ومن ذريتنا} واجعل من ذريتنا {أمة مسلمة لك} خصا بالدعاء ذريتهما لأنهم أولى بالشفقة {وأرنا مناسكنا} وبصرنا متعبداتنا في الحج، أو عرفناها {وتب علينا} ما فرط منا من التقصير {إنك أنت التواب الرحيم}.
- {ربنا وابعث فيهم} في الأمة المسلمة {رسولا منهم} من أنفسهم، فبعث الله فيهم محمدا عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام: «أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي»([4]) رواه أحمد {يتلو عليهم ءاياتك} يقرأ عليهم ويبلغهم ما توحي إليه من دلائل وحدانيتك وصدق أنبيائك ورسلك {ويعلمهم الكتاب} القرءان {والحكمة} السنة وفهم القرءان {ويزكيهم} ويطهرهم من الشرك وسائر الأرجاس {إنك أنت العزيز} الغالب الذي لا يغلب {الحكيم} فيما أوليت.
{ومن يرغب عن ملة إبراهيم} استفهام بمعنى الجحد، وإنكار أن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم. والـملة: السنة والطريقة {إلا من} وما يرغب عن ملة إبراهيم إلا من {سفه نفسه} جهل نفسه أي لم يفكر في نفسه {ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} بيان لخطأ رأي من يرغب عن ملته، لأن من جمع كرامة الدارين لم يكن أحد أولى بالرغبة في طريقته منه.([1]) فرق شعر الرأس.
([2]) يتبعونك في الإسلام وتعاليمه.
([3]) مدعى: أي مكان يدعى فيه.
([4]) أي: أن ءامنة رأت أنه خرج منها نور ملأ مكة.