تفسير سورة البقرة من الآية مئة وواحد وأربعين إلى مئة وخمسين
- تفسير سورة البقرة من الآية مئة وواحد وأربعين إلى مئة وخمسين
تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون (141) سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (142) وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم (143) قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون (144) ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين (145) الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون (146) الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (147) ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير (148) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون (149) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (150) - {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} كررت للتأكيد.
- {سيقول السفهاء من الناس} الخفاف الأحلام([1])، فأصل السفه الخفة، وهم اليهود لكراهتهم التوجه إلى الكعبة وأنهم لا يرون النسخ، أو المنافقون لحرصهم على الطعن والاستهزاء، أو المشركون لقولهم: رغب عن قبلة ءابائه ثم رجع إليها، والله ليرجعن إلى دينهم {ما ولاهم} ما صرفهم {عن قبلتهم التي كانوا عليها} يعنون بيت المقدس. والقبلة الجهة التي يستقلها الإنسان في الصلاة، لأن الـمصلي يقابلها {قل لله المشرق والمغرب} بلاد المشرق والمغرب، والأرض كلها له {يهدي من يشاء} من أهلها {إلى صراط مستقيم} طريق مستو، أي يرشد من يشاء إلى قبلة الحق وهي الكعبة التي أمرنا بالتوجه إليها، أو الأماكن كلها لله فيأمر بالتوجه إلى حيث شاء فتارة إلى الكعبة وطورا إلى بيت المقدس، لا اعتراض عليه لأنه المالك وحده.
- {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} خيارا. وقيل للخيار وسط لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأوساط محمية. أي كما جعلنا قبلتكم متوسطة بين المشرق والمغرب، جعلناكم أمة وسطا بين الغلو والتقصير، فإنكم لم تغلوا غلو النصارى حيث وصفوا المسيح بالألوهية، ولم تقصروا تقصير اليهود حيث وصفوا مريم بالزنا وعيسى بأنه ولد الزنا، {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} روي أن الأمم([2]) يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا، وهو أعلم، فيؤتى بأمة محمد عليه الصلاة والسلام فيشهدون، فتقول الأمم: من أين عرفتم؟ فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد عليه الصلاة والسلام فيسأل عن حال أمته، فيزكيهم ويشهد بعدالتهم، والشهادة قد تكون بلا مشاهدة كالتسامع في الأشياء المعروفة([3])، واستدل الشيخ أبو منصور رحمه الله بالآية على أن الإجماع حجة، لأن الله تعالى وصف هذه الأمة بالعدالة، والعدل هو المستحق للشهادة وقبولها، فإذا اجتمعوا على شيء وشهدوا به لزم قبوله {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها} وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة، روي أن رسول الله ﷺ كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تأليفا لليهود ثم حول إلى الكعبة {إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} وما جعلنا القبلة التي تحب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أولا بمكة إلا امتحانا للناس وابتلاء، لنعلم الثابت على الإسلام الصادق فيه ممن هو على حرف ينكص([4]) على عقبيه لقلقه فيرتد عن الإسلام عند تحويل القبلة.
قال الشيخ أبو منصور رحمه الله: معنى قوله: {لنعلم} أي لنعلم كائنا وموجودا ما قد علمناه أنه يكون ويوجد، فالله تعالى عالم في الأزل بكل ما أراد وجوه أنه يوجد في الوقت الذي شاء وجوده فيه، ولا يوصف بأنه عالم في الأزل بأنه موجود كائن، لأنه ليس بموجود في الأزل فكيف يعلمه موجودا، فإذا صار موجودا يدخل تحت علمه الأزلي فيصير معلوما له موجودا كائنا([5])، والتغير على المعلوم لا على العلم، أو لنميز([6]) التابع من الناكص، كما قال تعالى: {ليميز الله الخبيث من الطيب} [الأنفال: 37]. فوضع العلم موضع التمييز لأن العلم به يقع التمييز، أو ليعلم رسول الله عليه الصلاة والسلام والمؤمنون { وإن كانت} أي التحويلة {لكبيرة} ثقيلة شاقة {إلا على الذين هدى الله} أي هداهم الله، أي الثابتين الصادقين في اتباع الرسول {وما كان الله ليضيع إيمانكم} صلاتكم إلى بيت المقدس، سمى الصلاة إيمانا لأن وجوبها على أهل الإيمان وقبولها من أهل الإيمان، وأداؤها في الجماعة دليل الإيمان {إن الله بالناس لرؤوف رحيم} لا يضيع أجورهم، والرأفة أشد من الرحمة وجمع بينهما كما في الرحمٰن الرحيم.
- {قد نرى تقلب وجهك في السماء} تردد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء، وكان رسول الله ﷺ يتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة موافقة لإبراهيم ومخالفة لليهود، ولأنها أدعى للعرب إلى الإيمان، لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم {فلنولينك} فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها {قبلة ترضاها} تحبها وتميل إليها لأغراضها الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله وحكمته {فول وجهك شطر المسجد الحرام} نحوه، اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد أي في جهته وسمته، روي أنه عليه السلام قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم وجه إلى الكعبة {وحيث ما كنتم} من الأرض وأردتم الصلاة {فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق} أي التحويل إلى الكعبة هو الحق، لأنه كان في بشارة أنبيائهم برسول الله ﷺ أنه يصلي إلى القبلتين {من ربهم وما الله بغافل عما يعملون} فالأول: وعيد للكافرين بالعقاب على الجحود والإباء، والثاني: وعد للمؤمنين بالثواب على القبول والأداء.
- {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب} أراد ذوي العناد منهم {بكل ءاية} برهان قاطع أن التوجه إلى الكعبة هو الحق {ما تبعوا قبلتك} لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة، إنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق {وما أنت بتابع قبلتهم} حسم لأطماعهم إذ كانوا اضطربوا في ذلك وقالوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره، وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم، ووحدت القبلة – وإن كان لهم قبلتان، فلليهود قبلة، وللنصارى قبلة – لاتحادهم في البلطان {وما بعضهم بتابع قبلة بعض} يعني أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة، لا يرجى اتفاقهم كما لا ترجى موافقتهم لك، فاليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى مطلع الشمس {ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم} من بعد وضوح البرهان والإحاطة بأن القبلة هي الكعبة وأن دين الله هو الإسلام {إنك إذا لمن الظالمين} لمن المرتكبين الظلم الفاحش([7])، وفي ذلك لطف للسامعين، وتهييج للثبات على الحق، وتحذير لمن يترك الدليل بعد إنارته ويتبع الهوى. وقيل: الخطاب في الظاهر للنبي عليه الصلاة والسلام والمراد أمته.
- {الذين ءاتيناهم الكتاب} صفة للظالمين {يعرفونه} أي محمدا عليه الصلاة والسلام {كما يعرفون أبناءهم} قال عبد الله بن سلام: أنا أعلم به مني بابني، فقال له عمر: ولم؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته خانت، فقبل عمر رأسه {وإن فريقا منهم} أي الذين لم يسلموا {ليكتمون الحق} حسدا وعنادا {وهم يعلمون} أن الله تعالى بينه في كتابهم.
- {الحق من ربك} الحق من الله لا من غيره، يعني أن الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه، وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل الكتاب فهو الباطل {فلا تكونن من الممترين} الشاكين في أنه من ربك.
- {ولكل} من أهل الأديان المختلفة {وجهة} قبلة {هو موليها} المعنى: ولكل أمة قبلة يتوجه إليها منكم ومن غيركم {فاستبقوا} أنتم {الخيرات} فاستبقوا إليها غيركم من أمر القبلة وغيره {أين ما تكونوا} أنتم وأعداؤكم {يأت بكم الله جميعا} يوم القيامة فيفصل بين الـمحق والـمبطل {إن الله على كل شيء قدير}.
- {ومن حيث خرجت} ومن أي بلد خرجت للسفر {فول وجهك شطر المسجد الحرام} إذا صليت {وإنه} وإن هذا المأمور به {للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون}.
([2]) أي: التي كانت كافرة في الدنيا.
([3]) كالشهادة بالنكاح والنسب والموت، له أن يتحمل الشهادة فيها بالتسامع من الناس ولو لم يعاين بنفسه.
([5]) الله تعالى عالم بعلمه الأزلي أن ذلك الشيء يكون معدوما إلى وقت كذا ثم يصير موجودا، فالتغير هو على ذلك الشيء ولم يحدث لله تعالى بوجوده علم لم يكن له قبل ذلك.
([7]) الظالمون ورد في القرءان في أكثر المواضع بمعنى الكافرين، وورد في بعض المواضع بمعنى ما هو كبيرة، وفي بعض المواضع بمعنى ما هو معصية صغيرة، كما في قول يونس عليه السلام: {سبحانك إني كنت من الظالمين} [الأنبياء: 87] هنا المراد الصغيرة، التي لا خسة فيها ولا دناءة.
([9]) هذا على زعمهم، وإلا فالكعبة قبلة ءادم وإبراهيم ومن بينهما وبعض غيرهم.
- تفسير سورة البقرة من الآية مئة وواحد وأربعين إلى مئة وخمسين
