تفسير سورة البقرة من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
- تفسير سورة البقرة من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (81) والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (82) وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون (83) وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون (84) ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون (85) أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون (86) ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87) وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون (88) ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين (89) بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين (90) - {بلى} إثبات لما بعد النفي، وهو لن تمسنا النار، أي بلى تمسكم أبدا {من كسب سيئة} شركا {وأحاطت به خطيئته} وسدت عليه مسالك النجاة بأن مات على شركه، فأما إذا مات مؤمنا فأعظم الطاعات – وهو الإيمان – معه فلا يكون الذنب محيطا به فلا يتناوله النص، {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.
- 83- {والذين ءامنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون(82) وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل} الميثاق العهد المؤكد غاية التأكيد {لا تعبدون إلا الله} إخبار في معنى النهي، وهو أبلغ من صريح النهي، ومعناه: ألا تعبدوا، {وبالوالدين إحسانا} وأحسنوا [إلى الوالدين إحسانا، والإحسان إليهما برهما وإكرامهما] {وذي القربى} القرابة {واليتامى} جمع يتيم وهو الذي فقد أباه قبل الحلم([1]) إلى الحلم {والمساكين} جمع مسكين وهو الذي أسكنته الحاجة {وقولوا للناس حسنا} قولا هو حسن في نفسه لإفراط حسنه {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم} عن الميثاق ورفضتموه {إلا قليلا منكم} قيل: هم الذين أسلموا منهم {وأنتم معرضون} وأنتم قوم عادتكم الإعراض والتولية عن المواثيق.
- {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} لا يفعل ذلك بعضكم ببعض {ثم أقررتم} بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه {وأنتم تشهدون} عليها كما تقول فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها.
- {ثم أنتم هؤلاء} [فيه وجهان، أحدهما أن يكون أريد به ثم أنتم يا هؤلاء، والوجه الآخر أن يكون معناه ثم أنتم قوم] {تقتلون أنفسكم} [أي بعضكم بعضا، أو أهل ملتكم] {وتخرجون فريقا منكم من ديارهم} غير مراقبين ميثاق الله {تظاهرون عليهم} تتعاونون {بالإثم والعدوان} بالـمعصية والظلم {وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب} بفداء الأسرى {وتكفرون ببعض} بالقتال والإجلاء. قال السدي: أخذ الله عليهم أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك الـمظاهرة، وفداء الأسير، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء {فما جزاء من يفعل ذلك} هو إشارة إلى الإيمان ببعض والكفر ببعض {منكم إلا خزي} فضيحة وهوان {في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب} وهو الذي لا روح فيه ولا فرح، أو إلى أشد من عذاب الدنيا {وما الله بغافل عما تعملون}.
- {أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة} اختاروها على الآخرة اختيار المشتري {فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون} ولا ينصرهم أحد بالدفع عنهم.
- {ولقد ءاتينا موسى الكتاب} التوراة، ءاتاه [إياه] جملة {وقفينا من بعده بالرسل} وأرسلنا على إثره الكثير من الرسل، وهم: يوشع وأشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعياء وأرمياء وعزير([2]) وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم صلوات الله عليهم {وءاتينا عيسى ابن مريم البينات} المعجزات الواضحات، كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإخبار بالـمغيبات {وأيدناه بروح القدس} بجبريل عليه السلام، لأنه يأتي بما فيه حياة القلوب، وذلك – [أي التأييد] – لأنه رفعه إلى السماء حين قصد اليهود قتله {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى} تحب {أنفسكم استكبرتم} تعظمتم عن قبوله {ففريقا كذبتم} كعيسى ومحمد عليهما السلام {وفريقا تقتلون} كزكريا ويحيى عليهما السلام.
- {وقالوا قلوبنا غلف} مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام ولا تفقهه {بل لعنهم الله بكفرهم} فرد الله أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك، لأناه خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق، وإنما طردهم بكفرهم وزيغهم {فقليلا ما يؤمنون} فإيمانا قليلا يؤمنون، و{م} مزيدة، وهو إيمانهم ببعض الكتاب، وقيل: القلة([3]) بمعنى العدم.
- {ولما جاءهم} أي اليهود {كتاب من عند الله} أي القرءان {مصدق لما معهم} من كتابهم لا يخالفه {وكانوا من قبل} يعني القرءان {يستفتحون على الذين كفروا} يستنصرون على المشركين إذا قاتلوهم قالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في ءاخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة، ويقولون لأعدائهم المشركين: قد أظل([4]) زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم {فلما جاءهم ما عرفوا} [أي الأمر الذي عرفوه حقا في كتابهم] {كفروا به} [جحدوه وكذبوه] بغيا وحسدا وحرصا على الرياسة {فلعنة الله على الكافرين} أي عليهم، [ودل] على أن اللعنة لحقتهم لكفرهم.
{بئسما} بئس شيئا {اشتروا به أنفسهم} أي باعوا([5]) والمخصوص بالذم {أن يكفروا} [أي بئس العوض الذي أخذوه عن أنفسهم كفرهم] {بما أنزل الله} يعني القرءان {بغيا} أي حسدا وطلبا لما ليس لهم {أن ينزل الله} حسدوه على أن ينزل الله {من فضله} الذي هو الوحي {على من يشاء من عباده} وهو محمد عليه الصلاة والسلام [وكانوا يعتقدون بظهور نبي ءاخر الزمان وينتظرون خروجه وهم يظنون أنه من ولد إسحاق، فلما ظهر أنه من ولد إسماعيل حسدوه وكرهوا أن يخرج الأمر من بني إسرائيل فيكون ليغرهم] {فباؤوا بغضب على غضب} فصاروا أحقاء بغضب مترادف، لأنهم كفروا بنبي الحق وبغوا عليه، أو كفروا بمحمد بعد عيسى عليهما السلام، أو بعد قولهم: عزير ابن الله، وقولهم: يد الله مغلولة، وغير ذلك {وللكافرين عذاب مهين} مذل.
([2]) الصواب أنه ولي، ليس نبيا.
([3]) يعبر بالقلة عن العدم في بعض المواضع لكنها نادرة. الأمر الغالب أن تستعمل بمعنى القليل الذي هو يقابل الكثير.
